تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وإذا كانت للمشترك اللفظي أهميته بالنسبة للشعراء القدامى أو بالنسبة للشعر التقليدي عامة، فلاشك أن شأنه يزداد في اعتبار نظريات الشعر الحديث. حيث تنادي هذه النظريات بتعميق الرؤية وتعددية المعنى وبعد الدلالة وكثافة الصورة في العبارة الشعرية، وتعتبر ((الشعر استكشافاً دائماً لعالم الكلمة، واستكشافاً دائماً للوجود عن طريق الكلمة)) (2) وتعد ((أولى مميزات الشعر هي استثمار خصائص اللغة بوصفها مادة بنائية)) (3) . وبذلك تفترض من الشاعر المبدع أن يسعى بكل ما لديه من إمكانيات لاستغلال كل ما يمكن أن تحمله الكلمات من دلالات وكل ما تكمن فيها من طاقات معنوية وإيحائية. ليجعل من تجربته الشعرية نسيجاً فنياً ثرياً مفعماً بالرؤى والشحنات الانفعالية المؤثرة، تمتزج فيه التوقعات والانفعالية بالمفاجآت وخيبة الظن كما يعبر الناقد الإنكليزي (رتشاردز Richards I.A. .) (4) ومن هنا تأتي أهمية المشترك اللفظي كرافد يمد الشاعر الحديث بما يمكنه من فنه ويثري تجربته.

.. والحقيقة أن الشاعر سواء أكان قديماً أم حديثاً لا يكتفي باستغلال ما تحمله الألفاظ من دلالات موروثة. وإنما يسعى لشحنها بدلالات جديدة، وربما ألغى أو تجاهل تلك الدلالات القديمة كلها وخلق لألفاظه المختارة معاني ومسميات لا عهد لأصحاب اللغة الآخرين بها، مستفيداً في كل ذلك مما يتيحه المجاز ويحققه له من إمكانيات لغوية للتعدد الدلالي المستمر للفظ أو التركيب اللغوي الواحد حيث يصبح المجاز في العبارة الشعرية وسيلة أساسية للشاعر للاختراق والنفاذ إلى عوالم الكون اللامحدودة، أو أداته للانتقال والامتداد والاتساع والعبور باللفظ من معناه الحقيقي ودلالاته المعتادة المألوفة. كما هو في تصور علماء البلاغة العرب القدامى (1) . وحيث يكون هذا المجاز، كما يعبر النقاد المعاصرون وسيلة للعدول وإعادة البناء والانزياح باللفظة من وظيفتها المرجعية ودلالتها الذاتية الوضعية السابقة إلى دلالات أخرى قد يصعب حصرها (2) . وبهذه الدلالات الجديدة المتنامية تتولد المفاجآت وينشأ الإدهاش والإبهار والغموض والإبداع في الشعر لغة ومعنى وصورة، وتتبلور وتتميز لغة الشاعر الخاصة. كما تتوسع وتتنامى في الوقت نفسه طاقات المشترك اللفظي كماً ونوعاً. ويصبح الشاعر مستثمراً لإمكانيات المشترك اللفظي المتاحة، ومجدداً ومطوراً لهذه الإمكانيات في آن واحد وكان المشترك اللفظي وما ينتج عن استعماله أحياناً من تباين في تحديد المفاهيم وإدراك المقاصد والأهداف في التوريات والاستعارات والتعميات والمغالطات المعنوية أو في النصوص الأخرى ذات المعاني الدقيقة المعمقة، كان سبباً لاختلاف النقاد واللغويين في فهم كثير من النصوص الشعرية وعاملاً في طرح التفسيرات المتعددة وإثارة الكثير من الخلافات والمناقشات الأدبية المثرية بشأنها أحياناً (3) ، وربما كان ذلك من أسباب الاتجاه لتفسير النصوص وشرح المعلقات والقصائد ثم تعدد شروحها وعقد الدراسات

حولها، وما يعقب هذه الأعمال في العادة من توسع في الحديث عن المجاز والاستعارة وعن القرائن اللفظية والمعنوية والسياقية وعن الأساليب البيانية وغير ذلك من المسائل اللغوية والبلاغية والنقدية ذات العلاقة.

... تضاربت الأقوال واختلف اللغويون والنقاد في تفسير كلمة (عَيْر) التي وردت في بيت للشاعر الجاهلي الحارث بن حلّزة اليشكري نصه:

زعموا أن كل من ضرب العَيْ

رَ موال لنا وأنى الولاء!

فقيل: إنه أراد ب (العير) الوتد، وقيل: إنه أراد بها الضاربين العرب؛ لأنهم كانوا أصحاب عمُد وأوتاد وخيام، كما قيل أنه أراد عير العين، وهو ما نتأ منها، أي كل من ضرب عير عينه بجفنة، وقيل: أراد بالعير ما يطفو على الحوض من الأقذاء، وقيل إنه قصد جبلاً في الحجاز، وقيل غير ذلك؛ لأن كلمة (عير) تعني هذه المعاني كلها ومعاني غيرها (1) ، وليس من قرينة بيّنة توضح المراد ولا من سبب يمنع إرادة أي من هذه المعاني، والشاعر فحل مشهور لا يستهان بقوله أو يطرح ويتجاهل.. وهكذا كان التضارب ومن ثم التعليق والنقاش حول هذا البيت. وأصبح لغموض الكلمة والتباس معناها فيه دور فعال في التفكير والتعليق والاستشهاد بالإضافة إلى استحضار معاني الكلمة المفسَرة نفسها، ما كان قريباً منها وما كان بعيداً عن الأذهان ربما من قبل بعض النقاد (2) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٦٦