تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرابع: ترجيحُ الرَّفعِ، وهو مذهبُ الصَّيمري والحريري، وهما يرجِّحان الرَّفعَ مع وجود الضَّمير في الجملة المعطوفة (8) .

والخامس: اشتراطُ العَطْفِ بالواو أو الفاءِ لجواز النَّصبِ، وهو مذهب هشام ابن معاوية (9) .

والسادس: اشتراط العطف بثُمَّ لجوازِ النَّصب، ونسبه أبو حيان إلى الجمهور (1) ، وفيه نظرٌ؛ إذ تقدم أنَّ أعلامَ النَّحويين منهم مَنْ وافق سيبوبه، ومنهم مَنْ وافق الأخفشَ والزِّياديَّ.

ولم يظهر لي ما يُعضِّد هذا التَّفريقَ بين حروف العطف.

4- منع تعدِّي فَعيل وفَعِل

منع الزِّياديّ (2) ، والمازنيّ (3) ، والمبرد (4) ، وابن السراح (5) تعدِّي (فَعيل) ، و (فَعِل) المحّولين من اسم الفاعل للمبالغة، واحتجوا فيما ذكر السيرافي بأنَّهما صيغا للصفات الملازمة للذات كشريف، ونحوه (6) .

وذهب سيبويه إلى جواز تعدِّيهما، وذكر أنَّ تعدِّي (فعيل) قليلٌ، وتعدِّي (فَعِل) أقلُّ (7) ، ووافقة الجرميُّ في تعدِّي (فَعِل) محتجاً بشبهها للفعل في الوزن (8) .

واستدل سيبويه بقول لبيد:

أو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عضادةَ سَمْحَجٍ

بسراته نَدَبٌ له وكُلومُ (9)

والشاهد نصب (عضادة) مفعولاً به ل (شنج) .

وقول الشاعر (10) :

حَذِرٌ أموراً لا تُخافُ وآمِنٌ

ماليس مُنجيَه من الأقدارِ (11)

والشاهد نصب (أموراً) ب (حَذِر) .

وقول ساعدة بن جؤية:

حتى شآها كليلٌ مَوْهناً عَمِلٌ

باتت طِراباً وبات اللَّيلَ لم يَنَم (12)

والشاهد نصبُ (موهناً) مفعولاً به ل (كليل) المحوّل من (مُكلّ) (13) ، أو (مكلِّل) (14) .

وذكر السيرافي أنَّ المانعين ردُّوا الاحتجاج بالأبيات:

فذهبوا إلى أنَّ (عضادة) في البيت الأول ظرفٌ، وأنَّ الشاعر شبَّه ناقته بحمارٍ لازمٍ يمنةَ أتانٍ أو يسرتها.

وذكروا أنَّ البيت الثّاني مصنوعٌ، صنعه الأخفش لما سأله سيبويه عن شاهدٍ لإعمال (حَذِر) .

وحملوا (موهناً) في البيت الثالث على أصله، وهو الظَّرفية؛ إذ الموهن الساعة من اللَّيل، وفسّروا البيت بأنَّ هذه الأتن قد شاقها الكليل وهو البرقُ الضعيف في هذه الساعة، فنقلها إلى موضعه.

هذا ما أورده السيرافي، ولم يعزه إلى واحدٍ من المانعين (1) ، فلا أدري ما نصيب أبي إسحاق الزِّياديِّ منه.

ووجَّه المبرد البيت الأول توجيهاً مخالفاً لما نقله أبو سعيد، فذكر أنَّ (شنج) صفة مشبهة، و (عضادة) انتصب على التشبيه بالمفعول به (2) .

واختار قولَ سيبويه النحاسُ، وابنُ ولاد، وأبو سعيد السيرافيُّ، والرمانيُّ، وغيرهم (3) .

واستدلوا بالنقل، والعقل:

فمن النقل ما رواه اللّحياني عن بعض الأعراب، وهو قوله في صفة الله عز وجل: هو سميعٌ قولَك وقول غيرك (4) ، وقول ابن الرقيات:

فتاتان أما منهما فشبيهةٌ

هلالاً والاخرى منهما تُشبه البدرا (5)

وقول زيد الخيل:

أتاني أنَّهم مَزِقون عِرْضي

جحاشُ الكِرْمَلَيْنِ لها فديدُ (6)

ففي الأول والثاني إعمال (فعيل) ، وفي الثالث إعمال (فَعِل) .

وكفى بهذه الأدلة مرجّحاً لقول سيبويه.

أما الدليل العقلي فما ذكره ابن ولاد من أنّ هاتين الصيغتين قد تحقَّق فيهما موجبا الإعمال: العدلُ عن اسم الفاعل للمبالغة، والجريُ على فعلٍ مُتعدٍّ (7) .

كما أثبتوا صحة احتجاج سيبويه بالأبيات التي أنشدها:

فأما بيت لبيد فذكر السيرافي وابنُه وابن عصفور أن (عضادة) فيه لا تُحمل على الظرفية؛ لأنها اسمٌ للقوائم، والأسماء لا تكون ظروفاً مقيسةً ما عدا أسماء الزمان والمكان (8) .

وبيَّن الأعلم وأبو نصر القرطبي فساد حملها على الظرفية من وجهٍ آخر، وهو أن ذلك يقتضي تشبيه الناقة بحمارٍ منقبضٍ في ناحية الأتان، مهينٍ، قد شغفه عضُّها ورمحُها، وهذا مناقض لما يريد الشاعر من وصف ناقته بالجري (9) .

وردَّ ابن ولاد توجيه المبرد المتقدم بأنَّ الصفة المشبهة لا تعمل إلا في سبب الموصوف، و (عضادة) ليست من سبب الموصوف، وهو (مسحل) (10) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٢٣