إن هذه الصبغة الإنسانية النابعة من العقيدة الإسلامية هي التي تفسر لنا إجتياح الإسلام لفكر الإمبراطوريات التي فتحها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها وصياغتها صياغة جيدة وكأن تلك الثقافات والموروثات التي عاشت عليها تلك المجتمعات قروناً كثيرة كأن لم تكن.
إن مهمة العلم في المجتمع الإسلامي المتحضر ليست قهر الطبيعة أو الإنتصار عليها بل التلطف معها، والجد في إكتشاف قوانين الله فيها، فالطبيعة ما خلقها الله لتقهر بل لإستخراج خيراتها ومكنوناتها التي أودعها الله فيها، وجعلها مسخرة لخدمة الإنسان الذي سخر له الأرض وما فيها وما عليها قال الله تعالى (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) (1) وقال: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم) (2) .
الأصل الرابع: هو أن تكون الأسرة هي قاعدة البناء الإجتماعي وأن تقوم على أساس التخصص بين الزوجين في العمل وأن تكون رعاية الجيل الناشئ هي من أهم وظائف الأسرة فالمجتمع الذي هذا شأنه هو المجتمع المتحضر لأن الأسرة هي البيئة التي تنشأ وتنمى فيها القيم والأخلاق الإنسانية متمثلة في الجيل
الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير هذه الأسرة، أمَّا أن تكون العلاقات الجنسية (الحرة كما يسمونها) والنسل غير الشرعي هو قاعدة المجتمع، أو حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والإنفعال لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي داخل الأسرة، أو حين تترك هذه المهمة وتفني طاقاتها في الإنتاج المادي وصناعة الأدوات ولا تنفقها في صناعة وتربية الإنسان، أو حين يكون الإنتاج المادي يومئذ أعز وأغلى وأكرم من الإنتاج الإنساني فعندئذ يكون هذا هو التخلف الحضاري بل الجاهلية بعينها.
إذن فالتخصص الوظيفي في الأسرة التي تقوم ببناء الإنسان هو الأساس في المجتمع المتحضر الإسلامي بحيث يقوم كل بوظيفته داخل الأسرة لقد شاء الله أن يكون ميدان إنشاء العنصر الإنساني وتنشئته هو ميدان عمل المرأة بالدرجة الأولى، ويقارن الشيخ محمد متولي الشعراوي بين ميدان عمل المرأة هذا وميدان عمل الرجل خارج البيت، ويرى أن ميدان عمل المرأة هو أهم وأدق من ميدان عمل الرجل.
إذن الرجل بحكم عمله خارج البيت إنما يتعامل في أشياء كلها مسخرة لخدمة الإنسان الذي هو أكرم ما في الوجود بينما المرأة تكون مهمتها هي التعامل مع هذا المخلوق المُكرم الذي هو الإنسان تتعامل معه كزوج فيسكن إليها وتتعامل معه جنيناً في بطنها ووليداً في حضنها ورضيعاً تغذيه وتحنو عليه وطفلاً وصبياً وشاباً تربيه وترعاه (1) .
إن ترك المرأة لهذا الميدان الذي هو مجال عملها الأساسي والتي خلقها الله وفطرها لتحسن العمل فيه إلى ميدان آخر لهو مأساة بكل المقاييس لأن استعدادات المرأة بالعاطفة والحنان والرفق وفهم الطفولة هي أدوات لا يصلح لها إلا المرأة الأم، وهذا هو ميدانها الذي تحسن فيه وليس ميدان الرجال الذي تزاحمهم فيه فإنها ستخربه ولا تصلحه لعدم استعدادها فطرياً ولولا مركب النقص لكان للمرأة فخر وإعتزاز بمملكة البيت وتنشئة جيل المستقبل فيه فإن ذلك لا يقل شأناً عن فخر وإعتزاز الرجل بسياسة الحاضر وحسن القيام على مشكلات المجتمع التي تحتاج إلى جهد وكفاح.
والخلاصة في هذا الأصل أن الإسلام هو الحضارة والمجتمع الإسلامي هو المتحضر لأنه يؤمن أن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسانية ويبتعد عن خصائص الحيوانية لا يمكن أن يتم إلا في محضن أسرة قائمة على أساس الواجب والتخصص ومحوطة بضمانات الأمن والإستقرار العاطفي، فهذا هو ما يوفر للمجتمع مقومات الترقي على خط التقدم الإنساني ولذلك جعل الله الزوجة شق النفس ومحضن السكينة والأمن والإستقرار (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (1) .