وهذا العقل -إن صح التعبير- انبثق عندهم منه: الغيبة عن وعي الوجود فصار ازدواجاً في الموجودات وهي: النور والظلمة، أو الوجود والغيبة عن وعي الوجود، وعنهما صدرت المخلوقات بسبب الحركة المتغيرة وفي هذا قالوا:
((وهكذا برزت في مقابل النور المحض الظلمة المحضة، وفي مقابل الوجود الأرفع الغيبة عن وعي الوجود الأول، فتم الإزدواج: نور وظلمة، وجود وغيبة عن وعي الوجود.
وبانطلاق هذا الازدواج من عقاله حصل التكوين، إذ التكوين هو تولد دائم من وبين الازدواجات المتناقضة، فمن ذينك المتضادين النور والظلمة، أو الوجود والغيبة عن وعي الوجود، حصل التكوين المتحرك المتغير)) (2) .
فمن هذا تبين أن الدروز كمن تقدمهم من الفلاسفة الوثنيين يرون أن إيجاد الخلق يرجع إلى غير الله (وهو ما يسميه الفلاسفة النفس الكلية ثم عقول أو أرواح الكواكب.
ويمكن هنا أن نلخص مقالة هؤلاء المتفلسفة الباطنية الضلال في إيجاد الكون على النحو التالي:
أن الله تبارك وتعالى ليس له أي فعل ولا دور في فعل وخلق، وإنما صور الأشياء عنده منذ الأزل قديمة بقدمه، وأنه فاض منه العقل الأول، وهذا الفيض أزلي أيضاً، ثم العقل، أو ما يسميه الدروز النور فاض منه فيض آخر، وهو النفس، أو ما يسميه الدروز الظلمة، ومنهما صدرت المخلوقات، ووجدت بكيفيات يختلفون في تفصيلها، ويتفقون في أنهالم تخلق خلقاً مباشراً من قبل الله تعالى، وأنه تبارك وتعالى عن قولهم لا دور له في إيجادها، وإنما مصدرها الحقيقي العقل مع النفس أو النور مع الظلمة.
ثانيا: الرد على الفلاسفة والباطنيين في كلامهم في إيجاد هذا الكون وخلقه:
لا شك أن دعوى الفلاسفة والباطنيين في إيجاد الكون زندقة ووثنية ظاهرة واضحة وشرك في الربوبية، وهو قول لا ينتمي لا إلى عقل ولا شرع وإنما ينتمي إلى الوثنية اليونانية التي تتعبد للكواكب وتدعى لها أرواحاً وتصرفاً وتدبيراً، الذين لا يختلفون عن دعوى عباد الأصنام في أصنامهم من مشركي العرب والهنود ومن كان على شاكلتهم.
ولا شك أن من العجب العجيب والأمر الغريب أن يترك هؤلاء الناس النور والحق الذي بين أيديهم ويذهبوا إلى مقالات ساقطة سافلة، ودعاوى كاذبة خاطئة، ووثنية جاهلة فاسدة، فقد اشتروا الضلالة بالهدى والنور والحق بالظلمة والكذب، فنسأل الله العافية.
وآيات التوحيد في القرآن سواء في الربوبية أو الألوهية هي رد عليهم وذلك مثل قوله ( ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ فاطر (3) ، ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل﴾ الأنعام (102) ، ﴿أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً إ إله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ النمل (60-61) ، ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ الأعراف (54) .
إلى غير ذلك من الآيات مما لا يحصى كثرة، وكفى بذلك حجة ووضوحاً لمن أراد الله هدايته.
وبالإضافة إلى ذلك نقول: (1)
1 - إن الإقرار لله تعالى بالربوبية أمر عام في جل بني آدم، وبنو آدم لا يعرفون خالقاً إلا الله تعالى، ودعوى العقل والنفس الكلية والنور والظلمة، وما إلى ذلك من الدعاوى، ليس لها في نفوس البشر أي صدى ولا أثر، فما وجدنا أحداً من بني آدم يدعو في رخاء ولا شدة العقل أو النفس الكلية أو النور ولا غيرها، بل لا يدعو إلا الله تعالى، كما قال ( ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ العنكبوت (65) .