أمثلة للغيبيات المصروفة نصوصها عن دلالتها:
المثال الأول: نطق الجمادات وطاعاتها لله رب العالمين:
وردت نصوص من الكتاب والسنة دلت بعبارات صريحة بينة أن الجمادات تسبح الله تعالى وتطيعه وتسجد له، قال تعالى:
(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ((2) ، وقال:
(تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ((3) .
لقد زعموا أن ما نسب في هذين النصين وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة إلى الجمادات من أقوال وأعمال إنما هو مجاز لا حقيقة، أي إنه لسان حال لا مقال، وأنها تطيع الله طاعة قهر وتسخير لا طاعة فكر وتخيير، وأما تسبيحها فمعناه أن من شاهدها سبح الله تعالى، لا أنها هي التي تسبح الله تعالى. والآيتان المذكورتان فيهما ما يرد هذا التأويل الفاسد، فآية سورة الأحزاب صريحة في أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال، وعرض الشيء لا بد أن يكون على ما له إدراك، وإلا فيكون ذلك عبثاً، فالله تعالى منزه عن العبث، ثم إباؤها وإشفاقها من الأمانة دليل على الإدراك، وهذا المعنى تؤكده آية سورة فصلت التي قال الله تعالى فيها: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ((1) ، فبين فيها أنه خير السماوات والأرض بين أن يأتيا طوعاً لأمر الله على سبيل الطاعة والاختيار، وبين أن يأتيا على سبيل القهر والتسخير، فاختارتا الإتيان الطوعي على الإتيان القهري، وذلك دليل واضح على الإدراك والاختيار. وأما آية سورة الإسراء فقد بينت أن جميع الخلق يسبحون بحمد ربهم تبارك وتعالى، ثم صرحت للإنس أنهم لا يفقهون كيف تسبح كل الكائنات ربها، ولكن أبى المفتونون بالتأويل والتحويل إلا أن يقولوا: إن تسبيحها غير معقول، وإدراكها غير مقبول، وأن الإنسان هو الكائن العاقل المدرك المتميز بعقله وإدراكه، وأن الجمادات لا تسبح الله إلا بلسان حالها لأنها لا تعقل، فكأنه يقول لربه الذي خلقه وقال له: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم (بل نفقه تسبيحهم، وأنه يتم بلسان الحال، لا بلسان المقال.
المثال الثاني: وزن أعمال العباد يوم القيامة:
زعموا أنها لا توزن، لأنها أعراض وليست أجساماً. ووزنها مجازات العاملين على أعمالهم كل بحسب عمله. فإذا كان العليم الخبير قد أخبر بذلك فما على المؤمن إلا أن يصدق ويؤمن ويسلم تسليماً، وأما أن يقول: كيف توزن الأعمال؟ فذلك مما لا سبيل لعقله القاصر على إدراكه، ولو سئل هذا المفتون: كيف توزن قوة التيار الكهربائي وضعفه وتعاير على ذلك الأجهزة الكهربائية مع أن التيار عرض من الأعراض، لما وجد جواباً إلا الإذعان.
وبعد… فهذا بعض ما ذهب إليه أهل التأويل والرد والتحويل، من الفرق المبتدعة التي اغترت بعقلها القاصر، حيث جعلته حكماً على نصوص الشرع، مع أن العقل السليم يشهد لنصوص الشرع ويخضع لسلطانها، وذلك معيار سلامته وصحته.
المبحث التاسع: وسائل العلم بعالم الشهادة
إن الله تعالى جعل للإنسان وسائل العلم بعالم الشهادة الذي يعيش فيه، بها يتعرف عليه، ويتعامل معه، ويستفيد مما يفيد، ويحذر مما يضر.
وتنحصر تلك الوسائل في الأمور التالية:
1- السمع. ... 2- البصر. ... 3- اللمس. ...
4- الذوق. ... 5- الشم. ... 6- الحس.
ويلحق بهذه الوسائل الخلقية الوسائل المستحدثة التي صنعها الإنسان للوصول إلى ما خفي عليه بتلك الوسائل.
أما السمع: فيتعلق بالمسموعات، وهي الأصوات.
وأما البصر: فيتعلق بالمبصرات من الذوات، والكتابة والرسوم والإشارات والرموز.
وأما اللمس: فيتعلق بالأجسام الملموسة، فيدرك به النعومة والخشونة، والرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة، والصلابة والهشاشة، والحدة، وغيرها مما لا يمكن إدراكه إلا باللمس.