ولكن محبي التأويل والتحويل لم يرق لهم القبول بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة إذ أولوا الإتيان والمجيء بإتيان ومجيء أمره أو عذابه أو ملائكته. فكأن الرب خاطب الناس بألغاز، أو بعبارات لا يفهم منها المراد. وكأن الرسول لم يبين ما نزل إليه في الذكر فأتى هؤلاء المتكلمون المؤولون يستدركون على الله ورسوله، ولسان حالهم يقول؛ إن الذي قلته يا رب في كتابك عن نفسك أو قال عنك رسولك ظاهره لا يليق بك، لأنه يؤدي إلى التشبيه، لذا نرى أنك حينما قلت: (وجاء ربك ((1) أو قلت: (أو يأتي ربك ((2) أردت بذلك إتيان أمرك أو عذابك أو ملائكتك؟! أوليس هذا لسان حال المؤولين الذين لا يتورعون عن التصريح بأن ظاهر هذه النصوص يوهم التشبيه فيجب صرفها عنه بأمثال هذه الأوهام.
ثالثاً: تأويلهم صفة المحبة والرضا:
وردت النصوص الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة بإثبات صفتي المحبة والرضا لربنا تبارك وتعالى، وهو تبارك وتعالى يحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المقسطين، ويحب المتقين، ويحب المتوكلين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.
كل هذا مما دلت عليه آيات الكتاب الحكيم في غير ما موضع، وكذلك صفة الرضا وردت في القرآن فيما يزيد عن عشرين موضعاً في كل تلك الآيات إثبات صفة المحبة والرضا لربنا الكريم على ما يليق به تبارك وتعالى، كما وردت نصوص أخرى في الكتاب والسنة صرحت أن الله لا يرضى ولا يحب ما لم يأمر به في دينه، وأنه لا يحب الظالمين والفاسقين والكافرين والمسرفين والمعتدين والمفسدين والمستكبرين والخائنين والفرحين، وأنه لا يحب كل كفار أثيم، ولا من كان مختالاً فخوراً، ولا من كان خواناً أثيماً، ولا كل خوان كفور، وأنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.
وهكذا تتابعت نصوص القرآن على هذه المعاني وتوالت نفياً أو إثباتاً لهاتين الصفتين وهما صفة المحبة وصفة الرضا أي بإثبات محبة الله لأهل طاعته، ونفي محبة الله لأهل الكفر والمعاصي. ولكن أهل التأويل لم يعجبهم إثباتهما لله تعالى على ما يليق به، فقالوا: إن ذلك في الشاهد رقة تحدث في القلب، ولا يليق ذلك بالله تعالى، فأولوهما بلازمهما، وهو إرادة الثواب، ولا شك أن الثواب يترتب على الرضا والمحبة، وليس الثواب هو المحبة والرضا لا لغة ولا شرعاً.
رابعاً: تأويلهم لصفة الغضب:
وردت صفة الغضب في القرآن الكريم في حق ربنا العظيم في نحو سبعة عشر موضعا من آياته. وهي من صفات فعله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره كسائر صفات الفعل التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله (في سنته الصحيحة.
ومع وضوح الأدلة المثبتة لله تعالى صفة الغضب كما يليق به تعالى، أبى المؤولون إلا تأويلهم وتحويلهم وتبديلهم إذ قالوا إن إثبات صفة الغضب يؤدي إلى التشبيه لأن الغضب في الشاهد المألوف انفعال في النفس يحدث لحدوث موجبه، وهذا لا يليق بالله تعالى. فليصرف إذن معنى الغضب عن ظاهره إلى معنى آخر تتقبله عقول المؤولين الحائرة، وذلك المعنى هو إرادة العقاب وإرادة العقاب من لوازم الغضب وليس من معنى الغضب، وقد يغضب غاضب ولا يعاقب المغضوب عليه، كما قال الله تعالى في عباده: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون ((1) ، فوصفهم بأنهم يغفرون لمن أغضبهم، فلم يكن الغضب هو العقاب أو إرادة العقاب كما زعموا.
إن سلف هذه الأمة من الصحابة، ومن سار على نهجهم من التابعين وأتباع التابعين وأئمة المسلمين المتمسكين بكتاب الله تعالى وسنة رسوله (يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله في سنته الصحيحة، وينفون ما نفى عن نفسه أو نفاه عنه رسوله فيما صح عنه، وهم في الإثبات متبعون لا مبتدعون ابتداع المشبهة التي شبهت الله بخلقه، وفي النفي ملتزمون بما ورد نفيه، ولا يتجاوزون تجاوز أهل التأويل والتعطيل، وهم بذلك ينزهون الملك الجليل مما وصفه به أهل التشبيه والتمثيل ويصفونه بما وصف به نفسه خلافاً لأهل التبديل والتأويل والتعطيل، ولله الحمد على التوفيق والتسديد، وأسأله الثبات على الحق والصواب، إنه هو المعين على كل أمر سديد، وعمل رشيد.