تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا قيل إن من أركان الإيمان ما ليس بغيب كالرسل والكتب إذ هم من عالم الشهادة. فكيف تعلق بهم الإيمان مع القول إن الإيمان لا يتعلق بالمحسوسات؟

قيل إن ذلك راجع أيضا إلى هذه القاعدة التي لا يخرج عنها ركن من أركان الإيمان، وذلك بأن الإيمان بالرسل ليس متعلقا بوجودهم في زمن من الأزمان، وذلك أمر معلوم بداهة، ولكن الذي يتعلق به الإيمان إرسال الله تعالى لهم وذلك هو الغيب الذي أمرنا بالإيمان به، أما الوجود التاريخي للرسل فهو أمر لم يكن الكفار ينكرونه، إذ هم يشاهدون الرسل في أزمانهم، وينصب كفرهم على رسالتهم ونبوتهم ولذلك قالوا لرسلهم: (إن أنتم إلا بشر مثلنا ((1) ، أي لا تتميزون علينا بالرسالة التي تدعون أنكم تحملونها ولهذا قال قوم صالح (بعضهم لبعض: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ((2) . وقال

الكافرون لرسول الله (كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ((3) وما قالوا هذا إلا نفيا وإنكارا للأمر الغيبي الذي هو النبوة والرسالة.

وكذلك الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، متعلق الإيمان لم يكن بوجودها بين الناس، فإن وجودها في أيدي الناس، أمر حسي لا ينكره أحد، ولكن الذي أمرنا بالإيمان به كونها منزلة على الرسل من عند الله تعالى، والذين كفروا بها لم يكفروا بوجودها، ولكنهم كفروا بنزولها من عند الله. ولذلك قالوا لرسلهم كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ((1) ، وقال الله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ((2) . وقالوا في القرآن الكريم: (إن هذا إلا قول البشر ((3) .وهذا يدل على أن كفرهم كان متعلقا بنزول الوحي به لا بوجود الكتاب العيني، فإن المشار إليه بقولهم: (إن هذا (هو القرآن المعروف لديهم بوجوده بينهم، ولم ينكروا إلا كونه من عند الله تعالى. ويلحق بهذا القسم مكنونات الصدور من مقاصد ونوايا. فإن ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى. ولهذا وصف الله تعالى نفسه الكريمة بقوله: (يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ((4) ،: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ((5) ،: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ((6) . فمن زعم أنه يعلم خواطر النفوس وكوامنها وأسرارها، فقد تجاوز حدوده واعتدى على حق الله تعالى. وأما ما قد يلمع لبعض من أخلصوا لربهم وصدقوا في اتباعهم من لمع تتعلق ببعض الخواطر فليس من العلم بالغيب، وإنما هو فراسة كما سيأتي ذكر ذلك في مبحث خاص إن شاء الله تعالى.

القسم الثاني: الغيب النسبي أو الإضافي:

الغيب النسبي أو الإضافي هو ما كان من عالم الشهادة، وكان غيبا بالنسبة والإضافة إلى بعض الخلق دون بعض، وذلك باختلاف الزمان والمكان وما يستخدم في الوصول إليه أي أن غيبيته لم تكن صفة لازمة له إنما هي صفة نسبية أو إضافية، مثال ذلك من الزمن الماضي ما جرى بين الرسل وأممهم من الوقائع والأحداث غيب بالنسبة والإضافة إلينا نحن الذين نعيش في زمان غير زمانهم وهي نفسها مشاهدة بالنسبة والإضافة لأهل زمانهم ومكانهم ولم تكن غيبا. وهي غيب أيضا لمن يعيش في مكان آخر في ذلك الزمان.

وهذا القسم تحته ثلاثة أقسام بحسب الزمان:

الأول: غيب الزمن الماضي.

الثاني: غيب الزمن الحاضر.

الثالث: غيب الزمن المستقبل.

أما غيب الزمان الماضي: فهو ما يتعلق من الحوادث بغيب الأزمنة الماضية. وسبب غيبيتها وقوعها في زمن قد مضى قبل زمن قوم بلغهم الخبر عن ذلك الماضي لم يكونوا فيه.

وأما غيب الزمان الحاضر: فهو ما كان من عالم الشهادة واقعاً في الزمن الذي أنت فيه، وسيأتي بيان سبب غيبيته في المبحث العاشر إن شاء الله تعالى.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٥٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٥٢٦