القسم الثاني / عالم الشهادة:
وهو كل ما خلقه الله مهيأ للمشاهدة والظهور عليه إما بالوسائل الخلقية، وإما بالوسائل الصناعية المستحدثة. وهذا القسم غيبه نسبي والغيبية في غيبه ليست صفة من صفاته الملازمة له، وإنما هي حالةٌ طارئة عليه أو على من خفي عليه لأمرٍ خاص به.
أما القسم الأول فيسمى بالغيب المطلق لأنه مطلق عن القيد إذ لم يعتبر غيباً نسبياً وإنما هو غيب من جميع الوجوه حيث خلقه الله تعالى غيباً مكنوناً لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى. وفي ذلك يقول الله ربنا الكريم تبارك وتعالى: (قل لا يعلم من في السماوات الأرض الغيب إلا الله ((1) أي إن أحداً من خلقه لا يعلم الغيب المطلق. وقال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ((2) فذكر في هذه الآية أنه يطلع من ارتضاهم من الرسل على غيبه، فالإظهار على الغيب لا يعني علم الغيب. فإذا كان المراد بالغيب هو الغيب المطلق يكون التعبير عن ذلك بالإظهار أو الاطلاع لا بالعلم، لأن العلم بالغيب المطلق من صفات ربنا الخاصة به تبارك وتعالى. وفي هذا وردت نصوص كثيرة دلت دلالة جلية على أن علم الغيب خاص بالله تعالى فمن ذلك قوله تعالى: (وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ((3) وقوله: (عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ((4) وقوله: (إن الله عالم غيب السماوات والأرض ((5) وقوله: (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب ((6) .
فتبين من هذا أن علم الغيب خاص بربنا تبارك وتعالى. وأما الاطلاع والظهور على الغيب فمعناهما واحد فهو العلم الجزئي بالشيء الذي أذن الله تعالى لرسله أن يعلموا به. والعلم الجزئي بالشيء ليس كالعلم الكلي الشامل المحيط بالشيء. ولعل السر في هاتين الكلمتين في حق العباد، الإشارة إلى هذا المعنى فالعلم لله تعالى، والاطلاع والظهور على بعض هذه الغيبيات لمن اصطفاهم الله تعالى من رسله عليهم الصلاة والسلام. ومما يجدر التنبيه عليه هنا، أن في كتاب الله تعالى نصوصا دلت على أن الله تعالى أعلم بعض عباده من الرسل والأتباع فكانوا على علم بتلك الغيوب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله (وذلك كقوله تعالى:
(تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ((1) وقوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ((2)
ويفيد هذا انهم علموا بأنباء الغيب بعد أن أوحى الله تعالى بها إلى نبيه (. فإن قيل أو ليس قد سبق أن عباده المصطفين يظهرون على بعض الغيب ولا يعلمون به لأن العلم هو الإحاطة والشمول وذلك ليس إلا لربنا عز وجل؟ فالجواب أن الآيات المفيدة بأن الرسول (وأتباعه علموا بأنباء الغيب بعد وحي الله تعالى إليه جاءت في الغيب النسبي وليس في الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل. وأيضا إن الله تعالى أخبرهم بما قد جرى ووقع في زمن قد مضى وانقضى لم يكن رسول الله (وقومه في ذلك الزمان أو المكان، ولو كانوا ثمّ لعلموا به كما علم من كان بذلك الزمان والمكان ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك:
(وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه… ((1) . وقال في قصة يوسف واخوته بعد أن قصها على نبيه (: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ((2) . وقال عقب قصة موسى (: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ((3) .
وهذان المعنيان يفهمان من سياق الآيات القرآنية في الفرق بين الإطلاع والظهور، وبين العلم بأخبار الغيب، فالعلم بأخبار الغيب المتعلقة بعالم الشهادة له مصادر شتى كما سيأتي بيانه في موضعه. غير أن الوحي أهم المصادر وأصدقها وأجلها وأدقها. وأما الغيب المطلق فليس للإطلاع عليه مصدر آخر غير الوحي الرباني. وكأن المطلع عليه يطلع عليه من نافذة الوحي كما يطلع المرء من نافذة منزله أو كوة فيه على ما في الخارج، فإنه لا يحيط به من جميع الجوانب.