ولكن الذين غمر الإيمان قلوبهم لم يبالوا برابطة القرابة والقومية التي خلت من الإيمان بدين الله، واتباع رسول الله (. فالمؤمن يحب الله تعالى ورسوله ودينه، والكافر يبغض الله تعالى ورسوله ودينه، والمؤمن يحب ما يحبه الله ويرضى، ويبغض ما يبغضه الله. ولذلك لا يوجد مؤمن صادق في إيمانه يحب أعداء الله ويواليهم. قال الله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه ((2) .
وهو إن غضب لا يستبد به الغضب، بل يكظم غيظه، عملاً بقول الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ((3) .
وإذا انتصر عفا وتجاوز (والعافين عن الناس (. ومع أن الانتصار على أهل الظلم مشروع ما لم تترتب عليه مفسدة أعظم، فإن العفو عن الظالم عند المقدرة من عزم الأمور: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذابٌ أليم (ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور ((4) .
وهو إن أحب يحب لله تعالى وفيه، لأن الحب في الله تعالى من مقتضيات الإيمان الراسخ وثمراته كما قال صلوات الله وسلامه عليه: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " (1) .
فمن وجد حلاوة الإيمان يكون حبه لأخيه المسلم في الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا ولا لمصلحةٍ من مصالحها الفانية، لا يحبه لنسبه إن بطأ به عمله ولكنه يحبه لدينه وخلقه وأمانته، إن كان ذا دينٍ وخلق وأمانة لأنه يؤمن بأن الله تعالى سيقول يوم القيامة: " أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي" (2) . كما بين ذلك رسول الله (. إنه يحب أخاه المسلم لأن ذلك من متطلبات الإيمان الصحيح. ولقد بين رسول الله عليه صلاة ربي وسلامه بقوله: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (3) .
إن أكمل المؤمنين إيماناً، أكثرهم تحابباً في الله تعالى، وتعاضداً، وتعاوناً وتناصحاً وتواسياً. وكلما ضعف الإيمان ضعفت هذه العلائق، بين المسلمين. ولهذا قال الناصح الأمين (: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (1) . إنه مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام الذي لو قام به كل مسلم ومسلمة لما وجدت المحاكم خصومات تقضي فيها بين المسلمين، فالذي يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، لا يظلمه، ولا يحقره ولا يؤذيه، ولا يشهد عليه زوراً، ولا يخونه في عرضه وماله ولا يصل إليه منه ما يكدر صفو حياته من قولٍ أو فعل. فمتى قام كل فرد من أفراد المسلمين من ذكورٍ وإناثٍ بالعمل بهذا المبدأ العظيم؛ أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً طاهراً، من مظالم الحقد والأضغان والخصومات، تتجلى فيه الخيرية التي ذكرها الله تعالى في وصف هذه الأمة في قوله: (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ((2) . والذين تحابوا في الله تعالى يظلهم الله في ظل عرشه يوم الدين، يقول رسول الله (: " يقول الله عز وجل: المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي" (3) . وروى عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله (قال سمعت رسول الله (يقول عن ربه تبارك وتعالى: " حقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتزاورين فيَّ وحقت محبتي على المتباذلين فيّ وهم على منابر من نور، يغبطهم النبيون والصديقون بمكانهم " (4) .