ركضاً إلى الله بغير زاد
إلاّ التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
إن التقى من أعظم السداد
وخير ما قاد إلى الرشاد
وكل حيٍ فإلى نفاد
ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل (1) .
وروى الإمام مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله (قال يوم بدر:
" … قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض " قال: عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله : جنةٌ عرضها السماوات والأرض؟ قال: " نعم " قال: بخٍ بخ " فقال رسول الله (: " ما يحملك على قولك: بخٍ بخ "؟
قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: " فانك من أهلها ". فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل " (2) .
وقد وردت في صحيح البخاري روايةٌ أخرى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رجلٌ للنبي (يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: " في الجنة ". فألقى تمراتٍ في يده، ثم قاتل حتى قتل (3) .
إن القصتين متشابهتان في دلالتهما على صدق الإيمان بالغيب وظهور ثمراته على سلوك المؤمنين في هذه الحياة حتى إن هذا الصحابي ليرى استمراره على الحياة حتى ينتهي من أكل ما في يده من التمرات تأخراً طويلاً عن الوصول إلى جنة الله التي وعد المتقون. فبادر وسارع حتى يدخلها فجاد بنفسه تصديقاً بوعد الله على لسان رسوله (. وهل بعد هذا الجود من جود؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
لقد أدرك عظم ما وعد الله به المؤمنين الصادقين، فهانت لديه الدنيا، فجاد لله الكريم بنفسه راضياً متوثباً إلى نعيم لا ينفد، وعطاءٍ لا يزول ولا يحول، فرضي الله عنه وأرضاه. وما ذلك إلا آثار الإيمان الصادق بالغيب، حتى لكأنه يرى الجنة وسعتها وما فيها من النعيم الخالد رأي العين فاشتاق وانساق إلى لقائها فحقق الله له ما أراد.
3 – الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الشريد رضي الله عنها) يوم القادسية:
هي امرأة اشتهرت في الجاهلية بالبكاء والرثاء والجزع والعويل على قتل أخويها صخر ومعاوية. فكانت لا تكف عن البكاء والرثاء حتى أصبح لا ينافسها أحد من الرجال والنساء في شعر الرثاء. والعبرة هنا ليس في كثرة شعرها في الرثاء ولا في جودته. ولكن العبرة في جزعها وحزنها الشديد وعدم كفها عن البكاء عشرات من السنين، ولم يتوقف بكاؤها ورثاؤها ولم ينقطع، إلا بسيف الإيمان الصادق الذي بتر الله به كل حبلٍ يمت إلى الجاهلية بصلة " كما بين ذلك رسول الله (حين قال لعمرو (1) بن العاص: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله " (2) فانقلب قلب الخنساء طاهراً نظيفاً يملؤه نور الإيمان بحيث لم يترك أي فراغ في قلبها لأثر من آثار الجاهلية ونزعة من نزعاتها.
وبعد أن أرضعتها الجاهلية وغذتها بلبانها العكر، فطمها الإسلام وفرغ قلبها من شوائب الجاهلية وطهره من دنسها ورجسها، وملأه بنور الإيمان، فانتقلت من ظلمات الجهل والكفر والهوان، إلى ضياء القرآن، وطاعة الرحمن. ففي يوم القادسية أرسلت أربعةً من أبنائها الشجعان للجهاد والاستبسال في سبيل الله والفوز بالشهادة، ووصتهم ليلة القادسية قائلةً:
" يابَنيَّ إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجلٍ واحد كما إنكم بنو امرأةٍ واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غبرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خيرٌ من الدار الفانية يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (" (1) .
فإن أصبحتم غداً إن شاء لله سالمين؛ فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين فإذا رأيتم الحرب قد شمرت (2) عن ساقها واضطرمت لظى (3) على سياقها وحللت (4) ناراً على أوراقها (5) فتيمموا وطيسها (6) ، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها (7) ، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة. فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها. فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم (8) . فقاتل أبناؤها فقتلوا رحمهم الله تعالى. فبلغها ذلك فما زادت على أن قالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " (9) .