تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلف في ممن وقع الوهم في هذه الرواية التي جاءت في صحيح مسلم:

قال عياض (ت544هـ) رحمه الله: "يشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك، وقال: "بمثل حديث عبيد الله"، وتحرّى الخلاف فيه في قوله: "رجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود" فلو كان مارواه خلافاً لرواية مالك لنبه عليه، كما نبّه على هذا"اهـ (3) .

قلت: كذا قال رحمه الله، لكن نبه الحافظ ابن حجر إلى ورود ما يدل على أن الوهم فيه من شيخ مسلم أو من شيخ شيخه.

قال ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله: "وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه: يحيى القطان؛ فإن مسلما أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن يحيى وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير، وأخرجه الجوزقي في مستخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عن عبد الرحمن ابن بشر بن الحكم عن يحيى القطان كذلك، وعقبه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (4) .

قلت (ابن حجر) : والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرحه البخاري هنا عن محمد بن بشار وفي الزكاة عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق يعقوب الدورقي وحفص بن عمرو كلهم عن يحيى، [يعني: رووه على الصواب عنه] .

وكأن أبا حامد لما رأى عبد الرحمن قد تابع زهيرا ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.

وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد لأن المخرج متحد ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر (1) شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه.

وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله فقد عكسه غيره فواخذ مسلما بقوله مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلما لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع إنما هو إخفاء الصدقة والله أعلم"اهـ (2) .

قلت: وهناك احتمال ثالث أرجح عندي من الاحتمالين السابقين: أن الوهم من عبيد الله بن عمر؛ فقد قال أبونعيم: "حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا مسدد ثنا حمّاد بن زيد (3) . ح وحدثنا محمد بن نصر ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا محمد بن بكير ثنا عباد ابن عباد. وحدثنا عبد الله بن محمد ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن علي حدثنا أبوخيثمة زهير بن حرب ثنا يحي بن سعيد. كلهم عن عبيد الله أخبرني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما ينفق شماله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" (4) .

قلت: وهذا السياق صريح في أن الوهم من عبيد الله إذ اتفق يحي بن سعيد وعباد بن عباد وحماد بن زيد في روايته عنه على الوهم!

وما وقع في صحيح البخاري وغيره (1) من رواية يحي عن عبيد الله بن عمر على الصواب بدون قلب، يحتمل أن عبيد الله رواه مرّة على الصواب ومرّة على الخطأ (2) ، ويؤكد سلامة يحي بن سعيد من تعصيب الوهم به، والله اعلم!

الحديث الثاني

قال الطبراني (ت360هـ) رحمه الله: "حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا علي بن عثمان اللاحقي، قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٩٠