عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - (- قال: ﴿ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع﴾ قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ﴿لا، ما صلوا﴾ (5) .
فقوله: ﴿ولكن من رضي وتابع﴾ دليل على وجوب ترك الإيواء أو الرضا بالمعصية.
وقريب من هذا معاشرة أهل البدع، وأهل الفسق والعصيان، ومنادمتهم، وتقريبهم، وإقصاء أهل الإيمان، وأهل الطاعة، وهذه تسمى مداهنة.
والأولى بالمسلم أن لايداهن أهل العصيان، ويرضى بما هم عليه من الفسوق، ويسكت سكوت راض بما هم فيه من غير إنكار.
صحيح أن مداراة الناس، وخفض الجناح لهم، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، من أقوى أسباب الألفة، وقبول الحق، وهي مندوبة، كما في النصوص الشرعية الموضحة لذلك، مثل:
1 - قوله - تعالى - في خطاب الرسول - (-: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (1) .
2 - وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (2) .
3 - وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (3) .
فالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لايظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك أمر مطلوب مستحب.
أمَّا الرضا بوقوع المعصية من العبد، والسكوت على ذلك، وتأييده ولو بغير تصريح، فإن هذا من الرضا بمعصية الله، وهذا مخالف لأمر الله، وأمر رسوله - ((4) -.
قال رسول الله - (-: ﴿إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، وقال مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها﴾ (5) .
وهذه مسألة عظمى؛ لأن الرضا بالمعصية معصية (6) ، فقد جاء رجل إلى الشعبي فحسن عنده مقتل عثمان - رضي الله عنه - فقال الشعبي: ﴿شركت في دمه﴾ (7) .
فجعل الرضا بالقتل قتلاً - رضي الله عنه -.
قال الله - تعالى -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (8) .
فهذا دليل على وجوب اجتناب أهل المعاصي إذا ظهر منهم منكر، وهذا عدم الرضا بالمعصية؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، كما دل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ فكل من جلس في معصية ولم ينكرها يكون مع أهلها في وزرهم، فينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، أو عملوها، فإن لم يستطع الإنكار، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لايكون من أهل هذه الآية.
يروى أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب (1) ، وقرأ هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ (2) أي: إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم.
ولاشك أن هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، لكن إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وقد قال الشاعر:
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي (3)
فتجنب أهل الأهواء والبدع واجب لغير الناصح والمعلم لهم، وليس مثلهم في الأهواء والبدع، لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (4) .
ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - (- آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ﴿فهذا أصل يجب أن يعتنى به﴾ (5) .
فالرضا بالمعاصي محرم يعاقب صاحبه عليه، وهو مخالفة لأمر الله - تعالى - وأمر رسوله - (-.