تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن القيم - رحمه الله - في حكم الرضا بالقضاء الشرعي، أو الديني: ﴿ ... حكم شرعي ديني، فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل بالانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة، فلايعارض بذوق، ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس، ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البتة، وإنَّما هو الانقياد المحض، والتسليم، والإذعان، والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم، والمسالمة، إقراراً، وتصديقاً بقي هناك انقياد آخر، وتسليم آخر، له إرادة وتنفيذاً وعملاً، فلاتكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم، الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه، كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله، معرفة به، ومحبة له، وعلماً بأمر، وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني﴾ (1) .

﴿ولم ينازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب، محبب، لايجوز كراهة ذلك وسخطه، وأن محبة ذلك واجبة، بحيث يبغض ما أبغضه الله، ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويحب ما أحبه، ويرضى ما رضيه لله من المأمور﴾ ، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَي اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (2) .

ثانياً: القضاء الكوني القدري:

والمراد به ما لايتعلق بالأمر والنهي، فهو القدر، أو المراد كوناً وقدراً، فما شاء الله قدراً من غير اشتراط محبته إياه، أو الرضا به، يدخل في الكوني، فيدخل فيه الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، والمحبوب والمكروه، فكل ما يقع بمشيئته الشاملة لجميع الحوادث يدخل في الكوني القدري، وهذا ما يعبر عنه المسلمون بقولهم: ﴿ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن﴾ (1) .

ومن ذلك قول ابن تيمية - رحمه الله -:

فما شاء مولانا الإله فإنه ... يكون، وما لا لايكون بحيلة (2)

فما يكون بفعل الله قدراً، أو من فعل المخلوق بخلق الله وإرادته الكونية القدرية، فهو كوني قدري.

ولابد فيه من تحقق مراد الله - تعالى -، فما أراد الله كوناً وقع، فلا راد لهذا القضاء أبداً، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (3) ، فما يكون من غنى أو فقر، أو راحة أو تعب، أو عافية أو سقم، أو حياة أو موت، أو إيمان أو كفر، فهو بقضاء الله وقدره الكوني.

وعلمُ ذلك قبل وقوعه وبعد وقوعه عند الله - تعالى - ومكتوب في اللوح المحفوظ، ومقدر: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ﴾ (4) .

فإذا وقع المقدر المعلوم، فهو بمشيئة الله وقدره، وإرادته: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ (1) ، ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (2) يخلق ما يخلقه بغير سبب معلوم لنا، أو بسبب معلوم لنا، فهو القادر - سبحانه - على أن يقول للشيء كن فيكون ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٥٦