تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل: ﴿ثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء﴾ (5) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ﴿ولهذا كان طائفة من المشائخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم، كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره﴾ (6) .

واستشهد بعدة آيات منها قول الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (7)

وقال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (8) .

وهذه الآية نزلت في أناس من المؤمنين، تمنوا معرفة أحب الأعمال، وأفضلها، ليعملوا بها، فلما أخبر الله نبيه بذلك قصروا في ذلك فعوتبوا (1) .

فالحاصل أن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع المقدور، والرضا بعده، وهو الثمرة.

قال رسول الله - (- في دعاء الاستخارة: ﴿اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثُمَّ تسميه بعينه - خيراً لي في عاجل أمري وآجله، قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثُمَّ بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري، وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به﴾ (2) .

فهذه حاجته التي سألها متوكلاً عليه - سبحانه -، ولم يبق عليه إلاَّ الرضى بما يقضيه له، فقال: ﴿اقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به﴾ (3) .

فالرضا إنَّما يأتي بعد الاستعانة، والتوكل على الله؛ لأن اليقين بالقضاء الذي لم يقع ليس برضا، وإنَّما يكون بعد وقوع المقضي، أمَّا قبل وقوعه فاستعانة وتوكل فقط، فمن بلغ الرضا فلاشك أنه استعان بالله وتوكل عليه، ومن استعان بالله وتوكل عليه فقد بلغ الرضا.

الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه

حث الإسلام على الرضا بالقضاء والقدر، وأمر به في نصوص كثيرة، منها:

1 - قول الله - تعالى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (4) .

فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله، وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه، وإن كرهته النفوس، فهو - سبحانه - كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه، وإضلاله من يضله منهم: العليم الحكيم بما في أمره، وشرعه من العواقب الحميدة، والغايات العظيمة.

فبين - سبحانه - أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة، والمنفعة لهم، التي اقتضت أن يختاره، ويأمرهم به، وهم قد يكرهونه، إمَّا لعدم العلم، وإمَّا لنفور الطبع، فهذا علمه بما في عواقب أمره مِمَّا لايعلمونه (1) .

2 - وقوله - عزّوجل -: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَيُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (2) .

فما أصاب العبد من مصيبة في الأرض، من قحط، وجدب، وذهاب زرع، وغير ذلك، أو في الأنفس من الأمراض، والأوجاع، حتى خدش العود، ونكبة القدم، إلاَّ مقدر مقضي في اللوح المحفوظ، من قبل أن يخلقها الله، فلايحزن العبد على ما فاته، أو يفرح فرح مختال متكبر، ولكن لابد له من الرضا بما يصيبه من القضاء، إن خيراً، وإن غير ذلك (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٤٥