تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اختلاف العلماء في مفهوم الضرورة الشعرية:

لقد رأينا العلماء الأجلاء يختلفون اختلافاً كبيراً في مفهوم الضرورة الشعرية، وأبرز خلاف (18) رأيته في ذلك هو ما كان بين الإمامين ابن مالك الجياني، وأبي حيان الأندلسي - فأبو حيان ينكر على ابن مالك فهمه لضرورة الشعر حيث يقول ابن مالك في أكثر من موضع: ليس في هذا البيت ضرورة، لأن قائله يتمكن من أن يقول كذا ... - ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هي الإلجاء إلى الشيء - فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلاً، لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن إزالتها باستعمال تركيب آخر غير ذلك التركيب.

ويبدو من مناقشة أبي حيان لابن مالك أنّ الضرورة الشعرية عند أبي حيان مقصورة على وقت الإنشاد، أي أن الشاعر لم يستطع الإفلات منها حينما أنشد هذا البيت أو ذاك، أما لو أراد بعد ذلك أن يتفادى هذه الضرورة بتعديل البيت أو تغييره نهائياً فإنّه يستطيع ذلك، وبناء عليه لا تكاد توجد ضرورة على الإطلاق.

ويخيّل إليّ أن رأي أبي حيان يتفق مع رأي سيبويه في مفهوم الضرورة الشعرية، غير أن الألوسي يرى أن ابن مالك هو الذي يتفق مع سيبويه في ذلك.

فكيف نوفق بين هذا وذاك؟

يلوح لي أن التوفيق لا يتأتي إلا في ظلال التعمق في فهم النصوص الواردة عن ابن مالك، وبعد البحث والتقصي بدا أنّ الإمام ابن مالك له رأيان في الضرورة الشعرية.

الرأي الأول يتفق مع المأخوذ من كلام سيبويه، وهو أنّ الضرورة الشعرية هي التي

لا مندوحة للشاعر عنها وقت الإنشاد، وذلك لأننا رأينا في أكثر من موقف يُثْبِت الضرورة الشعرية، ويعترف بوجودها، من ذلك مثلاً ما جاء في باب إعراب المتعل الآخر من كتاب التسهيل وشرحه لابن مالك نفسه (19) .

الرأي الثاني هو الذي فهمه أبو حيان من كلام ابن مالك، وبناء عليه أخذ يحاسبه حساباً عسيراً، وينقده كما سلف به البيان، أي أنّ الضرورة الشعرية هي التي لا مندوحة للشاعر عنها في أيّ وقت من الأوقات.

وهناك آراء أخرى في الضرورة الشعرية حيث يرى العلامة حازم القرطاجني في كتابه ((منهاج البلغاء)) أنّ الضرورة الشعرية لابدّ أن تكون مستساغة في الذوق البلاغي، ولا يكفي أن تكون جائزة في القواعد اللغوية والنحوية (20) .

والذي يعنينا الآن هو الجانب النحوي اللغوي، وخلاصة ما قيل فيه تتجلّى في الآراء الآتية:

1 - الضرورة هي التي تقع في الشعر سواء أكان للشاعر منها مندوحة أم لا.

2 - الضرورة هي التي لا مندوحة للشاعر عنها في أي وقت من الأوقات.

وهذا هو الذي فهمه أبو حيان من كلام ابن مالك كما سلف به البيان.

3 - الضرورة هي التي لا مندوحة للشاعر عنها وقت الإنشاد - وهذا ما يؤخذ من كلام سيبويه، وتابعه فيه كثير من العلماء، منهم أبو حيان وابن مالك في أحد قوليه - وهو الراجح في نظري.

وجاء في شرح الصفار لكتاب سيبويه رأيان أخران فيهما شيء من الطرافة حيث قال:

4 - ((ومنهم من لم يشترط في الضرورة أن يضطر الشاعر إلى ذلك في شعره، بل جُوِّز له في الشعر ما لا يجوز في الكلام وإن لم يضطر، لكون الشعر قد أُلِفَتْ فيه الضرائر، وإلى هذا ذهب أبو الفتح بن جني ومن أخذ بمذهبه)) (21) .

5 - ((ومنهم من ذهب إلى أن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغير الشاعر في كلامه، لأن لسان الشاعر قد اعتاد الضرائر، فجُوِّزَ له ما لم يجز لغيره، وهو مذهب الأخفش)) (22) .

إلى هنا نكتفي بهذه العجالة في ((مفهوم الضرورة الشعرية)) إيثاراً للإيجاز - ومن أراد المزيد فعليه بالرجوع إلى أمهات الكتب القديمة والحديثة على السواء (23) .

القرآن وظاهرة حذف الياء:

الآن آن لنا أن ندخل في صلب الموضوع ... لنرى أمثال كلمة (الغوانِ) في القرآن الكريم ... هل لها وجود؟

نعم لها وجود بدليل أن لها نظائر متعددة في القرآن الكريم ... وما دام لها نظائر بَطَلَ كونُها من الضرورة الشعرية لأنّ القرآن الكريم ليس من الشعر في شيء، مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾ (24) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٤٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٤٢٤