فأمَّا الياءُ إذا كانت فاءً، فلا يُحذَفُ في المضارعة كيف كان بناؤُهُ. وحَكَى سيبويهِ (1) على جهة الشُّذوذ: ((يَئِسُ)) مثل: يَعِدُ.
ونظيرُ هذا في القلَّةِ ما حَكَى من / قولهم في مضارع ((وَجَدَ)) : يَجُدُ (2) .
والهمزةُ مثل الياء في الإتمام وتركِ الحذف إلاَّ ما جاء من قولهم: كُلْ وخُذْ.
والضَّرْبُ الآخَرُ الذي يُحذَفُ فيه الحرفُ الأوَّلُ من الثُّلاثيِّ ذي الزِّيادة الثَّابتِ في الماضي من المضارع هو بناءُ (أَفْعَلَ) نحو: أَكْرَمَ، وأَعْطَى، وآمَنَ، وهذه الهمزةُ تُحذَفُ في المضارع كراهيةً لاجتماع الهمزتَين،كما ذَكَرَ سيبويهِ (3) ، ثمَّ أُتبِعَ سائرُ الحروف الهمزةَ، كما أُتبِعَ في باب ((وعَدَ)) الياء.
والدَّليلُ على أنَّ حذْفَهَا لكراهية التقائهما: أنَّهُ حيثُ أُبدِلَ منها حرفٌ مُقارِبٌ لها أُتِمَّ ولم يُحْذَفْ، فقالوا: يُهَرِيقُ (وجاء على ما كان يَلزَمُ أن يكونَ عليه هذا المثالُ، هذا في مَنْ فَتَحَ فقالَ: يُهَرِيقُ) (4) . فأمَّا مَنْ أسْكَنَ فقالَ: أَهْرَقْتُ أُهْرِيقُ، فإنَّهَا عنده مِثْلُ: أَسْطَعْتُ وأُسْطِيعُ. جعَلَ الهاء عِوَضاً ممَّا دخل الكلمةَ من الضَّعف والتَّهيُّؤ للحذف في الجزم والوقف، كما أنَّ السِّينَ في ((أسْطَعْتُ)) كذلك، وحذفُها مطَّرِدٌ في الكلام، وربمَّا أثبَتَهَا الشَّاعرُ في الضَّرورة. أنشَدَ سيبويهِ (5) :
كُرَاتُ غُلاَمٍ في كِسَاءٍ مُؤَرْنَبِ
فأمَّا قولُهُ (6) :
وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
فعلى هذا وجْهُهُ. و ((أُثْفِيَّةٌ)) على قياس قوله هذا (أُفْعُولَةٌ) (1) . قال: أحمدُ ابنُ يحيى (2) عن ابن الأعرابيِّ (3) : جاء فلانٌ يَثْفُوهُ، ويَثْفِيهِ، ويَثِفُهُ، ويَكْسُوهُ، ويَذْنُبُهُ، ويَدْمُرُهُ،كُلُّهُ بمعنًى واحدٍ. ف ((يُؤَثْفَيْنْ)) على هذا (يُؤَفْعَلْنْ) ، ويجوزُ أنْ يكونَ (يُفَعْلَيْنْ) مثل: يُسَلْقَيْنْ (4) .
قال أبو زيدٍ (5) : (( [يقالُ] : تأثَّفْنَا بالمكان إذا أَلِفُوهُ ولم يَبْرَحُوهُ)) ، ف ((يُؤَثْفَيْنْ)) على هذا (يُفَعْلَيْنْ) ، وأُثْفِيَّة (فُعْلِيَّة) ، ومن كلا المعنيين يجوز أن نأخُذَ أُثْفِيَّةً؛ لأنَّهُم يَصِفُونها في أشعارهم بالخُلُود والإقامة والعَكْفِ والرُّكُود. وتأثَّفنا: أقَمْنَا، كما أنَّ يَثْفُوهُ: قَامَ مَقَامَه. وحَمْلُهَا على أنَّهَا (أُفْعُولَة) والهمزةُ زائدةٌ كأنَّهُ أقوى؛ لأنَّ هذه الكلمةَ أكثَرُ تصرُّفاً، ولا يمتنعُ الوجهُ الآخَرُ.
ويجوزُ في ((أُثْفِيَّة)) في مَنْ جعَلَها (أُفْعُولَة) أنْ تكونَ اللاَّمُ ياءً إذا أخَذَه مِن ((يَثْفِيه)) ، ويجوزُ أنْ تكونَ واواً. وكونُهُ من الواو أكثَرُ؛ لأنَّ ((يَثِفُهُ)) لا يكونُ إلاَّ من الواو.
فإن قلتَ: هلاَّ قلتَ: إنَّهُ من الياء (6) مِن قولِ مَنْ قال: يَثْفِيْه؛ إذ لو كانت من الواو (7) لَصَحَّت؛ لأنَّهُ لا شيءَ يُوجِبُ قلبَهَا ياءً من كسرةٍ وياءٍ مُدغَمٍ فيها؟
قيل له: إنَّ (أُفْعُول) قد تُقلَبُ اللامُ فيه إذا كانت واواً كثيراً؛ ألا تراهم قالوا:
((أُدْحِيُّ النَّعَامِ)) (8) وهو مِن دَحَا يَدْحُو. وحروفٌ كثيرةٌ مثله، فكذلك ((أُثْفِيَّة)) .
فأمَّا قولهم: ((الأُرْوِيَّة)) للأنثى من الوُعُول، فقد شرحناه في ((المسائل المشكلة)) (9) .
وأمَّا ((الأُرْبِيَّة)) [لأصلِ الفَخِذِ] (1) فتكون (أُفْعُولَة) مِن رَبَا يَرْبُو أُرْبِيَّةً لارتفاعِهِ على سائر أعْظُمِ الرِّجْلِ في النِّصْبَةِ، أو لزيادتها عليه في الخِلْقَة.
وإنْ شئتَ كان (فُعْلِيَّة) من ((الإِرْب)) الذي هو بمعنى التَّوَفُّر (2) ، من قوله في الحديث: ((أنَّهُ أُتِيَ بِكَتِفٍ مُؤَرَّبَةٍ)) (3) ، ومن قولهم: ((فلانٌ أَرِيبٌ)) (4) إذا وُصِفَ بالكمال وتوفُّرِ العقل. وقال أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ الحسنِ بنِ دُرَيد (5) : ((قالوا: جاء فلانٌ في أُرْبِيَّةٍ؛ إذا جاء في جماعةٍ من قومه)) .