ألا ترى أنَّ السَّاكنين في امتناع اللَّفظ بهما مُدْرَجَين / في الكلام كامتناع الثَّلاثة، فمن حيث لَزِمَ (أنْ تُحرَّكَ الميمُ بعد الياء للدَّرْجِ والوصل بما بعده،كذلك لَزِمَ) (2) أنْ يُحَرَّكَ السَّاكنُ الأوَّلُ من ((واحدِ اثْنان)) لإدراج السَّاكن الثَّاني من ((اثنين)) بما قبله، فليس لهم في هذا حجَّةٌ، ولا للقول بذلك قوَّةٌ.
فإذا لم يجز أن تكون الحركةُ في الميم لإلقاء حركة الهمزة عليها، عُلِمَ أنَّها لالتقاء السَّاكنَين، وإذا كان لالتقاء السَّاكنَين فلا يخلو من أن يكونَ للسَّاكن الثَّالث كما ذهب إليه سيبويه (1) ، أو للسَّاكن الثَّاني، فالذي يدُلُّ على أنَّ الحركةَ للسَّاكن الثَّالث دون الثَّاني ما تقدَّمَ (2) أنَّ هذه الحروفَ مبنيَّةٌ على الوقف دون الوصل، وإذا كان كذلك لم يمتنع فيها الجمعُ بين السَّاكنَين. ألا ترى أنَّه لو كانت الحركةُ للثَّاني لَزِمَ أن تُحَرَّكَ له سائرُ الفواتِحِ الَّتي اجتمع فيها ساكنان نحو: ﴿الم﴾ ، و ﴿حم * عسق﴾ (3) ونحو ذلك، فامتناعُهُم من تحريك هذه الحروفِ وجمعُهُم بين السَّاكنين فيها، دليلٌ على أنَّها في ﴿الم * الله﴾ ليس بمتحرِّكٍ للسَّاكن الثَّاني لكنَّه للسَّاكن الثَّالث لِما أعْلَمْتُكَ؛ (إذ لو كان للثَّاني لم يُحَرَّك كما لم يُحَرَّك سائرُ ما أَعْلَمْتُكَ ممَّا أشبهه. فإذا لم يَجُزْ أن تكون الحركةُ في الميم للسَّاكن الثَّاني لِمَا أَعْلَمْتُكَ، ثبتَ أنه للسَّاكن الثَّالث) (4) كما ذهب إليه سيبويه.
فأمَّا ما حكاه أبو إسحاقَ عن بعض النَّحْويين من أنَّ هذا الحرفَ لو كان متحرِّكاً لالتقاء السَّاكنين لوجب أن يُكسَرَ، وتغليطُهُ له في ذلك، فقد قال بإجازة الكسر في هذا الحرف بعينه لالتقاء السَّاكنين أبو الحسن (1) ، ولم يَحْكِ سيبويهِ (2) الكسرَ في شيءٍ من ذلك لالتقائهما، وذَكَرَ (3) قراءةَ مَنْ قَرَأَ: قَافَ، فزَعَمَ أنَّ الذي فتَحَهُ جعلَهُ اسماً للسورة كأنه قال: أَذْكُرُ (4) . وأجاز أيضاً أنْ يكونَ اسماً غيرَ متمكِّنٍ فأُلزِمَ الفتحَ كما حُرِّكَ نحو: كيفَ وأينَ وحيثُ وأمسِ (5) . وهذه الأشياءُ التي حُكِيَتْ بها هذه الأصواتُ المتقطِّعةُ في مدارجها ليس يمتنعُ تحريكُها لالتقاء السَّاكنين بضربٍ من الحركات،كما لم يمتنع تحريكُ ما حُكِيَ به غيرُ ذلك من الأصوات نحو: ((مَاءٍ)) و ((غَاقٍ)) في حكاية صوت الشَّاة والغُراب. فمَن قرَأَ: ((قافَ)) فجائزٌ أنْ يكونَ فتَحَهُ لالتقاء السَّاكنين، كما أنَّ مَن قَرَأَ: ((قافِ)) حرَّكه بالكسر لهما، فلم يكن يمتنع على قول مَن قال: ((قافِ)) فكسَرَ لالتقاء السَّاكنين أن يقولَ: ((ميمِ)) (6) فيَكسِرُ الميمَ لسكون الياء. قال أبو الحسن: ((ولا أعلَمُهُ إلا لُغةً)) (7) .
فأمَّا ما ذَكَرَه أبو إسحاقَ (1) من أنَّ ذلك غَلَطٌ بَيِّنٌ، وأنه لو جاز ذلك لجاز: كيفِ الرَّجُلُ، فخطأٌ لا يَلزَمُ، ولو ورد بذلك سماعٌ لم يدفعه قياسٌ، بل كان يُثْبِتُهُ ويقَوِّيه ويَعْضُدُهُ ولا ينافيه؛ ألا تراهم قالوا: ((جَيْرِ)) ، و ((كان من الأمر ذَيْتِ وذَيْتِ)) ، و ((كَيْتِ وكَيْتِ)) ، و ((حيثِ)) ، فحُرِّكَ السَّاكنُ بعد الياء بالكسر،كما حُرِّكَ بعدها بالفتح في ((أَيْنَ)) ، فكما جاز الفتحُ بعد الياء لقولهم: ((أَيْنَ)) ،كذلك يجوزُ الكسرُ بعدها لقولهم: ((جَيْرِ)) . ويدلُّ على جواز التَّحريك بالكسر لالتقاء السَّاكنين فيما كان قبلَه ياءٌ جوازُ تحريكِهِ بالضَّمِّ كقولهم: ((حَيْثُ)) ، فإذا جاز الضَّمُّ كان الكسرُ أسهَلَ وأجْوَزَ.
ولو قال له قائلٌ: لو جاء (2) ميمٌ مفتوحةٌ بعد الياء لالتقاء السَّاكنين، لَمَا جاز لقولهم: ((جَيْرِ)) وأخواته فقَلَبَ عليه ما ذَكَرَه، وعَكَسَ قولَه، لَمَا اتَّجَهَ له عليه برهانٌ، ولا وجَدَ لقوله مِن بيان. والقولُ في هذا: إنَّه لو جاء مكسوراً لالتقاء السَّاكنين كان جيِّداً، كما أنَّه لو وَرَدَ مفتوحاً لاجتماعهما كان حَسَناً.