فإن قلتَ: فقد فُتِحَت في قولهم:
يَا لَبَكْرٍ ... ... ... ... (3)
ونحوِهِ، فما يُنكِرُ أنْ تكونَ مفتوحةً في هذا الموضع أيضاً؟
فالجوابُ: أنَّ ذلك لا يجوزُ هنا من حيث جاز في قولهم: ((يا لَبَكْرٍ)) ، وإنمَّا جاز فيه لأنَّ الاسمَ في النِّداء واقعٌ موقعَ المضمَر، ولذلك بُنِيَ المفرَدُ المعرفةُ فيه، فكما جاز بناؤُهُ، جاز انفتاحُ اللاَّمِ معه.
فإن قلتَ: تكونُ اللاَّمُ الجارَّةُ هنا مفتوحةً لمجاوَرَتها الألِفَ؛ لأنَّهَا لو كُسِرَت كما تُكسَرُ مع سائر المظهَرِ، انقلب الحرفُ الذي بعدها.
قيل: هذا القولُ لا يستقيمُ لقائله أنْ يقولَهُ؛ لِحُكْمِهِ فيما يُتَنَازَعُ فيه بما لا نظيرَ له، ولا دلالةَ عليه، وسائرُ ما لحقَتْهُ هذه اللاَّمُ في المظهَرِ يدفَعُ ما قاله لمخالفته له.
ويمتنعُ من وجهٍ آخَرَ: وهو أنَّه إذا جَعَلَ هذه اللاَّمَ هي الجارَّةُ فهي غيرُ ملازمةٍ للكلمة، وإذا لم تكن ملازمةً للكلمة لم يُعتَدَّ بها، وإذا لم يُعتَدَّ بها فكأنَّهُ / قد ابتدأ بساكنٍ، فمِن حيث يمتنع الابتداءُ بالسَّاكن، يمتنع ما ذَهَبَ إليه في هذا.
وممَّا يؤكِّدُ ذلك: أنَّ أهلَ التَّخفيف لم يخفِّفُوا الهمزةَ المبتدَأَةَ؛ لأنَّ التَّخفيفَ تقريبٌ من السَّاكن، فإذا رفضوا ذلك لتقريبه من السَّاكن مع أنَّه في اللَّفظ ووَزْنِ الشِّعر بمنزلة المتحرِّك، فأَلاَّ يُبتَدَأَ بالسَّاكن المحْضِ ويُرفَضَ في كلامهم أَجْدَرُ ألا ترى أنَّ مَنْ كان مِن قوله تخفيفُ الأُولى من الهمزتين إذا التَقَتَا (1) وافَقَ الذين يخفِّفُون الثَّانيةَ (2) ، فتَرَكَ قولَهُ في نحو: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (3) ؛ لِمَا كان يَلْزَمُهُ من الابتداء بالحرف المقرَّبِ من السَّاكن، وإذا كانوا قد حَذَفوا الألفَ من ((هَلُمَّ)) ؛ لأنَّ اللاَّمَ التي هي فاءٌ لَمَّا كانت متحرِّكةً بحركةِ غيرها، صار كأنَّه في تقدير السُّكون، فحُذِفَ كما كان يُحذَفُ مع السَّاكن، مع أنَّ الحرفَ بُني مع الفعل حتَّى صار كالكلمة الواحدة. فأنْ تكونَ اللاَّمُ في ((لاهٍ)) هي الجارَّةُ أَبْعَدُ لأنَّه يَلْزَمُ أنْ يُبْتَدَأَ بساكنٍ؛ لأنَّ اتِّصَالَ الجارِّ به ليس كاتِّصالِ حرْفِ التَّنبيه بذلك الفعل؛ ألا ترى أنَّه قد بُني معه على الفتح،كما بُني مع النُّونِ في ((لأفْعَلَنَّ)) على الفتح، فإذا قدَّرُوا المتحرِّكَ في اللَّفظ تقديرَ السَّاكنِ فيما هو متَّصِلٌ بالكلمة لمكان البناء معها، فالسَّاكنُ الذي ليس بمتحرِّكٍ مع ما هو في تقدير الانفصال منه أجدرُ أن يَبْعُدَ في الجواز.
فأمَّا ما أنشَدَهُ بعضُ البصريِّين من قول الشَّاعر:
أَلاَ لاَ بَارَكَ اللَّهُ في سُهَيلٍ
إِذَا مَا اللَّهُ بَارَكَ في الرِّجَالِ (4)
فمِمَّا يجوزُ في الشِّعر دون الكلام. وينبغي أنْ يُوَجَّه هذا على أنَّه أخرَجَهُ على قول مَنْ قال: إنَّ أصلَ الاسم ((إلاهٌ)) فحَذَفَ الألفَ الزَّائِدَةَ،كما يُقصَرُ الممدودُ في الشِّعر، ولا نَحمِلُهُ على الوجه الأخير فيَلْزَمُهُ فيه أنَّهُ حَذَفَ العينَ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مستقيمٍ، ولا موجودٍ إلاَّ في شيءٍ قليلٍ.
فهذا مما يُبيِّنُ لكَ أنَّ الأَوْجَهَ من القولين هو أنْ يكونَ أصلُ الاسم ((إلاهٌ)) .
قال أبو عليٍّ: فأماَّ الإمالةُ في الألف من اسم ((الله)) تعالى فجائزٌ في قياس العربيَّة. والدَّليلُ على جوازها فيه أنَّ هذه الألِفَ لا تخلو من أنْ تكونَ زائدةً ل (فِعَالٍ) كالتي في ((إزارٍ)) و ((عِمَادٍ)) ، أو تكونَ عينَ الفعل. فإن كانت زائدةً ل (فِعَالٍ) جازت فيها الإمالةُ من جهتَين:
إحداهما: أنَّ الهمزةَ المحذوفةَ كانت مكسورةً، وكسرُها يُوجِبُ الإمالةَ في الألِفِ، كما أنَّ الكسرةَ في ((عِمادٍ)) تُوجِبُ إمالةَ أَلِفِهِ.