وقال الأصمعيُّ (3) : إذا قال لكَ: هَلُمَّ، فقُلْ: لا أَهَلُمُّ. فهذا يدلُّ على إجرائهم الكلمتَين في الموضعَين مُجْرَى المفرَد، فاشْتُقَّ منهما كما اشْتُقَّ من المفرَد، فعلى حسَبِ هذا حسُنَ الحذْفُ منهما،كما يُحْذَفُ من الكَلِمِ المفرَدة.
والمفرَدُ والمتَّصِلُ وما جرى مَجْراهما يكونُ فيهما من الحذْفِ ما لا يكونُ في غيرهما من المنفصل في جميع أبواب العربيَّة، ألا ترى أنَّكَ تُدغِمُ مثل: مَدَّ وفَرَّ، وما أشْبَهَ ذلك، لا يكونُ فيه غيرُ الإدغام (4) ، وأنتَ في ((جَعَل لَّكَ)) و ((فَعَل لَّبيدٌ)) (5) ونحوِ ذلك مخيَّرٌ بين الإدغام والبَيَان، فكذلك ما في الآية، يمتنعُ الحذفُ من الحرف فيه لأنَّه منْفَصِلٌ.
فهذه جهةٌ أخرى يمتنعُ لها الحذفُ من الحرفِ ويَضْعُفُ.
فأمَّا مثلُ: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ﴾ (6) ، و ﴿انْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (7) / و ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ (8) . فحَذْفُهُ مُطَّرِدٌ قياسيٌّ، وليس من هذا الباب.
فهذا شيءٌ عَرَضَ في هذه المسألة مما يتَعَلَّقُ بها، ثمَّ نعودُ إليها:
فأماَّ القولُ الآخَر الذي قاله سيبويهِ في اسم ((الله)) تعالى، فهو أنَّ الاسمَ أصلُهُ ((لاهٌ)) ، وَزْنُهُ على هذا (فَعَلٌ) ، اللاَّمُ فاءُ الفعل، والألفُ منقلبةٌ عن الحرف الَّذي هو عينٌ، والهاءُ لامٌ. والذي دلَّهُ على ذلك أنَّ بعضَهم يقول: ((لَهْيَ أبوكَ)) ، قال سيبويه (1) :
((فقَلَبَ العينَ وجعلَ اللامَ ساكنةً؛ إذْ صارت مكانَ العَين،كما كانت العينُ ساكنةً، وتركوا آخِرَ الاسم مفتوحاً،كما تركوا آخِرَ ((أَيْنَ)) مفتوحاً. وإنمَّا فعلوا ذلك به حيث غيَّروه لكَثْرَتِهِ في كلامهم، فغَيَّرُوا إعرابَهُ كما غَيَّرُوهُ)) . فالألفُ على هذا القول في الاسم منقلبةٌ عن الياء (2) ؛ لظهورها في موضع اللاَّمِ المقلوبةِ إلى موضع العَين، وهي في الوجه الأوَّلِ زائدةٌ ل (فِعَالٍ) ، غيرُ منقلبةٍ عن شيءٍ، واللَّفْظَتان على هذا مختلفتان، وإنْ كان في كلِّ واحدةٍ منهما بعضُ حروف الأخرى.
وذَكَرَ أبو العبَّاس هذه المسألةَ في كتابه المترجَم ب ((الغَلَط)) ، فقال (3) : ((قال سيبويه فيه: إنَّ تقديره (فِعَالٌ) لأنَّه ((إِلاَهٌ)) ، والألفُ واللاَّمُ في ((الله)) بدلٌ من الهمزة، فلذلك لَزِمَتَا الاسمَ مثل: ((أُناس)) و ((النَّاس)) ، ثمَّ قال: إنَّهم يقولون: ((لَهْيَ أبوكَ)) في معنى: للهِ أبوكَ، فقال: يُقَدِّمون اللاَّمَ، ويؤخِّرُونَ العينَ)) . قال أبو العبَّاس (4) : ((وهذا نقضُ ذلك؛ لأنَّه قال أوَّلاً: إنَّ الألفَ زائدةٌ؛ لأنَّها ألفُ (فِعَال) ، ثمَّ ذَكَرَ ثانيةً أنَّها عينُ الفعل)) .
قال أبو عليٍّ: وهذا الذي ذَكَرَهُ أبو العبَّاس من أنَّ هذا القولَ نَقْضٌ مغالَطةٌ، وإنمَّا كان يكونُ نَقْضاً لو قال في حرفٍ واحدٍ من كلمةٍ واحدةٍ وتقديرٍ واحدٍ: إنَّه زيادةٌ، ثمَّ قال فيها نفسِها: إنَّها أصلٌ، فهذا لو قاله في كلمةٍ بهذه الصِّفة لكان لا محالةَ فاسداً، كما أنَّ قائلاً لو قال: إنَّ التَّاءَ في ((تَرْتُب)) (1) زائدةٌ، ثمَّ قال: إنَّها في ((تَرْتُبَ)) أصلٌ، والكلمةُ لمعنًى واحدٍ من حروفٍ بأعيانها في الكلمة الأُولى، لكان فاسداً منتَقِضاً؛ لأنَّه جعلَ حرفاً واحداً من كلمةٍ واحدةٍ زائداً أصلاً، وهاتان حالتان يتنافى اجتماعُهُما في حرفٍ واحدٍ من كلمةٍ واحدةٍ في تقديرٍ واحدٍ. فلا يستقيمُ لذلك أنْ يُحكَمَ بهما عليه.
فأمَّا إذا قَدَّرَ الكلمةَ مُشْتَقةً من أصلَين مختلفَين، لم يمتنع أن يُحكَمَ بحرفٍ فيه أنَّهُ أصلٌ، ويُحكَمَ على ذلك الحرفِ أنَّهُ زائدٌ؛ لأنَّ التَّقديرَ فيهما مختلفٌ وإنْ كان اللَّفظُ فيهما متَّفقاً؛ ألا ترى أنَّكَ تقولُ: مَصِيرٌ ومُصْرَانٌ ومَصَارِينُ، و ((مَصِيرٌ)) مِن صَارَ يَصِيرُ، فتكونُ الياءُ من الأُولى زائدةً (2) ، ومن الثَّانية أصلاً، فلا يمتنعُ لاتِّفاقِهِما في اللَّفظ من أنْ يُحْكَمَ على هذا بالزِّيادة، وعلى هذا بأنَّه أصلٌ (3) .