تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قلتَ: أليس قد قال سيبويهِ بعد الكلام الذي ذكَرْتَهُ له: ((ومثلُ ذلك (أُنَاسٌ) ، فإذا أَدْخَلْتَ الألِفَ واللاَّمَ قُلْتَ: النَّاس)) ؟

قيلَ: إنَّه قال هذا، ومعنى قوله: ((ومثلُ ذلك أُناسٌ)) أي: مثلُهُ في حَذْفِ الهمزة منه في حال دُخُولِ الألِفِ واللاَّمِ عليه، لا أنَّه بدلٌ من المحذوف كما كان في اسم ((الله)) - عز وجل - بَدَلاً. ويُقوِّي ذلك ما أنشَدَه أبو العبَّاسِ عن أبي عثمانَ:

إِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْنَ على الأُنَاسِ الآمِنِينَا (4)

فلو كان عوضاً لم يكن ليجتمع مع المعوَّضِ منه. فإذا حُذِفَت الهمزةُ ممَّا لا يكونُ الألِفُ واللاَّمُ عِوَضاً منه، كان حذْفُهَا فيما يَثْبُتُ أنَّ الألفَ واللامَ عوضٌ منه أَولى وأَجْدَرَ. فتبَيَّنَ من هذا أنَّ الهمزةَ التي هي فاءٌ محذوفةٌ من هذا الاسم.

فإن قال قائلٌ: فما أنكَرْتَ أنْ يكونَ قَطْعُ الهمزة في هذا الاسم في الوصل لا لشيءٍ مماَّ ذكَرْتَ من العِوَض، وكَثْرَةِ الاستعمال، ولا لِلُزُومِ الاسمِ، ولكن لشيءٍ آخَرَ غير ذلك كلِّهِ؛ وهو أنَّهَا همزةٌ مفتوحةٌ وإنْ كانت موصولةً والهمَزَاتُ الموصولةُ في أكثرِ الأمر على ضربَين: مكسورةٌ ومضمومةٌ، فلمَّا خالف هذا ما عليه الجمهورُ والكثرةَ اسْتُجيزَ في الوصل قطعُها؛ لمشابهتها بانفتاحها الهمزةَ في ((أحمر)) ونحوه من المقطوعة، فقُطِعَت لمشابهتها إيَّاها في انفتاحها لا لغير ذلك.

قيلَ له: إنَّ كونَهَا مفتوحةً (1) لا يُوجِبُ في الوصل قَطْعَهَا وإنْ شابَهَتْهَا في الزِّيادة والانفتاح؛ ألا ترى أنَّ الهمزةَ في قولهم: ((ايْمُ [اللهِ] )) ، و ((ايْمُنُ الله)) همزةُ وصلٍ، وأنَّها مفتوحةٌ مثلَ المصاحِبَةِ للام التَّعريف، ولم تُقطَعْ في موضعٍ من مواضع وَصْلِها كما قُطِعَت هذه، فهذا يدلُّ على أنَّ قطعَهَا ليس لانفتاحها، ولو كان قَطْعُهَا لانفتاحها لوجبَ أن تُقطَعَ في غير هذا الموضع؛ لدُخُولِ الانفتاح، فلمَّا لم تُقطَعْ في الحرف الذي ذَكَرْنَاهُ وهو ((اَيْمُ)) و ((اَيْمُنُ)) ولم تُقطَعْ في غير هذا الاسم، علِمْنَا أنَّ الانفتاحَ ليس بعلَّةٍ مُوجِبةٍ للقطع، وإذا لم يكن ذلك ثَبَتَ ما ذَكَرْناه من العِوَضِ.

فإنْ قدَّرْتَه على التَّخفيف القياسيِّ فكأنَّ الأصلَ ((الإلاه)) ، ثُمَّ خَفَّفْتَ الهمزةَ وما قبلها ساكنٌ فحذَفْتَهَا وألقَيْتَ حَرَكَتَهَا على السَّاكن، فاجتمع مِثْلان، فسَكَّنْتَ الأوَّلَ وأَدْغمْتَ. وعلى هذا التَّقدير قولُهُ - عز وجل -: ﴿لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي﴾ (1) إلاَّ أنَّ توجيهَ الاسم على ما ذهب إليه سيبويه القولُ؛ لِمَا ذكرْتُ لكَ.

وذكَرَ أبو بكرٍ عن أبي العبَّاس أنَّ الكِسَائيَّ (2) أجازَ: ﴿بِمَا أُنْزِلَّيْكَ﴾ في قوله:

﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (3) فأدغَمَ اللاَّمَ الأُولى في الثَّانية، وشَبَّهَهُ بقوله: ﴿لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي﴾ . قال أبو العبَّاس (4) : هذا خطأٌ؛ لأنَّ ما قبلَ الهمزة من ((لكنْ أنا)) ساكنٌ، فإذا خَفَّفْتَ حَذَفْتَ فَأَلْقَيْتَ الحركةَ على السَّاكن. وما قبل الهمزةِ في ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ متحرِّكٌ، فإذا خَفَّفْتَ لم يَجُزِ الحذفُ،كما جاز في الأَوَّلِ، لكن تجعَلُ الهمزةَ بين بين (5) ، فإذا لم يَجُزِ الحذفُ لم يَجُزِ الإدغامُ لحجز الحرفِ بين المِثْلَين. وهذا الذي قاله أبو العبَّاس ظاهرٌ بيِّنٌ.

فإن قال قائلٌ: تُحذَفُ الهمزةُ حذفاً كما حُذفت من ((الناس)) .

قيلَ: أماَّ الخطأُ في التَّشبيه فحاصلٌ؛ إذ شَبَّهَ بين مختلِفَين من حيثُ شَبَّهَ. أمَّا هذا الضَّرْبُ من الحذف فلا يجوزُ تسويغُهُ حتَّى يتقدَّمَهُ سماعٌ. ألا ترى أنَّه لا يجوزُ حَذْفُ الهمزةِ من ((الإباء)) و ((الإياب)) ،كما كان في ((النَّاس)) وليس كذلك الحذفُ فيما كان من الهمَزَات ما قبله ساكنٌ؛ لأنَّ حَذْفَ ذلك قياسٌ مُطَّردٌ مستمرٌّ.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٩٠