وتناولت مثل هذه القضايا العامة الناقدة بشرى موسى صالح في كتابها " الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث " حيث فصلت القول في الصورة كمصطلح نقدي وحاولت تكثيف دلالات المصطلح لتوضيح مفهومه ومشكلاته عند النقاد المحدثين لا سيما من عني منهم بالصورة مؤكدة على الطبيعة المراوغة لهذا المصطلح وتعذر الإلمام بماهيته في تعريفه مما يعني حالة عدم الاستقرار والثبوت في تحديده. كما وقفت على مصادر الصورة الشعرية والعوامل المؤثرة في تشكيلها وفصلت القول في أبرز مصادرها ثم وقفت عند عناصرها ووسائل تشكيلها ثم أساليب بنائها.
ولعل أهم ما يميز هذه الدراسة اطلاع الكاتبة على معظم الدراسات النقدية الحديثة واستفادتها منها ثم محاولتها الربط بين اكثر من موقف من اجل الوصول إلى نتائج مميزة، وهي بحق تعد من الدراسات المهمة في إثراء نقدنا المعاصر، ويبدو الاتجاه الفني الناضج فيها واضحا (91) .
وتشكل دراسة الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي تحت عنوان " بنية القصيدة العربية عبر القرون - المقاومة والتجريب" بعدا نقديا بارزا ضمن هذا الاتجاه حيث حاولت من خلالها الدفاع عن بنية القصيدة العربية رغم كل محاولات الهجوم عليها والتغيير فيها في الوزن والقافية، وهي ترى أن كل الثائرين على هذه القصيدة لا يعرفون عنها شيئا وأن القصيدة العربية لم تعط أسرارها قط لأولئك الذين قاربوها بسذاجة نقدية أو سوء ظن حيث تقول:
" في العصر الحديث بدأت محاولات كثيرة لتحرير الشكل الشعري، وكانت كلها في البدء تستهدف القافية إما بتنويعها أو بإلغائها كليا فيما سماه الشعراء التجريبيون وقتها بالشعر المرسل، قام بهذه المحاولة الزهاوي وعبد الرحمن شكري ومحمد فريد أبو حديد واحمد زكي أبو شادي، كما قام الأخير بمحاولة مزج البحور الشعرية العربية في القصيدة الواحدة دون نجاح، غير أن كتابة الشعر المقطعي بقواف متراوحة أو محاولة كتابة الشعر المرسل مع الإبقاء على شكل الشطرين لم تفعل شيئا نحو تحرير الشكل لأن قضية الشكل الموروث برهنت على أنها ليست قضية قواف بل قضية تقسيم البيت إلى شطرين متكافئين بعدد معين من التفاعيل. . . إن محاولة الكشف عن سر هذه المناعة في وزن الشطرين هو عمل النقد الإيجابي ولا شك أنها تعود إلى أسباب جمالية متداخلة في بنية القصيدة ولا علاقة لها فيما يزعمون من جمود العقل العربي وعجزه عن التغير " (92) . ولعل الناقدة في موقفها هذا إنما تعتمد على قواعد عقلية تستند إليها في الحكم.
أما دراسة الناقدة فاطمة الزهراء أزرويل الموسومة ب" المجتمع العربي القديم والإبداع النسائي " فتجيب عن كثير من الأسئلة المهمة وهي: كيف اقتحمت المرأة مجال الإبداع في مجتمع أبوي تسيطر عليه قيم الذكورة؟ كيف تقبل المجتمع مساهمتها؟ ولماذا تباينت مواقف الوسط العربي تجاه المرأة التي أنتجت الشعر والمرأة التي احترفت الغناء؟
ولعل الجرأة قد ظهرت عند الناقدة في محاولتها لتفسير غزارة شعر الرثاء عند النساء حين جعلته مظهرا من مظاهر تبعية المرأة للرجل حيث تقول:
" من دراسة نماذج شعر النساء في الرثاء، أمكننا ملاحظة مدى تعبير هذا الشعر عن المحيط الضيق الذي تتحرك فيه المرأة، والحصار الذي تعاني منه واستغلال المكان والعلاقات الاجتماعية، لا شيء يمنع أن تكون المرأة شاعرة لكن علاقتها بالزوج والأخ تشكل كل عالمها وإن اختفى أحدهم إلى غير رجعة ندبته كل أيام حياتها، ولذلك يمكن اعتبار طغيان شعر الرثاء واستئثاره بالنصيب الأكبر في إبداع المرأة مظهرا من مظاهر تبعية المرأة للرجل في المجتمع الأبوي المرتبط بتقسيم الأدوار بين الجنسين " (93) .
وهي تجتهد كذلك في تفسير ظاهرة الغزل في كل القصائد القديمة وتقول: " ومن تدقيق أشعار المعلقات أو غيرها نجد أن الشعر الغزلي تعبير عن الحب من طرف واحد هو الرجل، أما المرأة الملهمة لهذا الشعر فإن حضورها لا يتعدى مجال الخيال " (94) .