وقال معقبا عليهما: "ومن كلام ابن سلام وابن رشيق يتعين مفهوم الناقد عند العرب، وهو الرجل الذي يستطيع أن يميز بين الجيد والرديء وكذلك الحال في ناقد البيان - والشعر خاصة - فهو إذن الرجل الخبير به الذي يستطيع أن يتعرف على بواطنه فيدل على جودته أو يخبر بقبحه " (9) .
وقد يقودنا هذا الرأي إلى مجموعة أسئلة تعد مدخلا مهما لهذا البحث هي:
هل النقد كفن جزء من العمل الذكوري فقط؟ وهل هناك نقد خاص بالرجال وآخر بالنساء؟ وان لم يكن الأمر كذلك فلماذا تم الفصل في هذا البحث بين الجنسين وتم اعتماد الموضوع تحت عنوان " المرأة الناقدة ".
أقول: -
إنني ضد فكرة الفصل ما بين المرأة والإبداع في أي مجال من مجالات الحياة. فالمرأة منذ اقدم العصور فرضت وجودا مميزا في المجالات السياسية والاجتماعية والأدبية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقلل من شأنها ونجعلها مخلوقا ضعيفا غير قادر على مواصلة التأليف والإبداع، وقد تكون نظرتنا الدونية إليها وإخراجنا لها من دائرة الإبداع انعكاسا لترسبات بالية تدخلنا في دائرة الجهل والاستبداد كما ترى د. يمنى العيد حيث تقول:
" طويلة هي المسافة ... وشرط الكتابة يبقى تاريخا، ولأننا جميعا معنيون بهذا التاريخ، أرى بأنه إن كان ثمة من تفاوت فظيع أحيانا، بين ما هو متوفر للرجل وما هو متوفر للمرأة في انصراف كل منهما إلى ممارسة الكتابة، أو الإبداع في مجال من مجالات الفنون، فان ثمة تفاوتا افظع بين رجل ورجل في نظرة كل منهما إلى حق المرأة في الحياة والإبداع إن الحد الذي يقوم عليه شرط الكتابة والإبداع ليس بين المرأة والرجل أو بين الأنوثة والذكورة بل هو بين الجهل والعلم بين الاستبداد والحرية، وعلى هذا تصبح المسألة لا مسألة المرأة والإبداع، بل مسألة الإنسان العربي والإبداع (10) .
وإذا كنت التقي مع يمنى العيد في أن المرأة هي جزء من دائرة الإبداع ولا يمكن إخراجها منه إطلاقا، فإنني اختلف معها في تأكيدها على فكرة عدم الفصل بين إبداع الرجل وإبداع المرأة في كافة المجالات حيث تقول:
" إن القول بإبداع رجل وبإبداع امرأة، أي تمييز الإبداع على أساس جنس الفاعل هو قول لا يخلو من خطورة، خطورة قراءة الأثر بقراءة صاحبه لا بمعنى إضاءة الأثر بمرجعية في صاحبه، بل بمعنى المماثلة بين الأثر وصاحبه، أو إسقاط الثاني على الأول، وفي ذلك تقديم للفاعل على الموضوع أو للشخص على الإبداع أو للعارف على المعرفة أو للمحاكم على القول أو للسلطة على الثقافة. . . . وإذ توضع المرأة خلف الرجل يصير كل ما يكتبه الرجال افضل من كل ما تكتبه النساء، كما قد يصير ما يكتبه الأسياد أفضل مما يكتبه (11) .
إن مثل هذا الإصرار على تجاوز التمايز في أي ظاهرة إبداعية بين الرجل والمرأة قد يقلل - في رأيي - من أهمية هذا الظاهرة ويولد قلقا واضطرابا في فهمها ومتابعة خيوطها والوقوف على ابرز روادها ودورهم في تطويرها وإثرائها ففي الوقت الذي كنا نتجاوب فيه مع المرأة في مطالبتها بعدم الفصل بين أدب الرجال وأدب النساء في أي قطر عربي على اعتبار أن المرأة الأديبة قد أدّت رسالتها الأدبية منذ اقدم العصور شعرا ونثرا وسجلت بصمات واضحة في هذا الميدان منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث، فإننا نجد انه من الصعب أن نقر بهذا المطلب، وان نتجاوز هذا التمايز في حقل النقد. فثمة فارق كبير جدا بين نقد الجنسين كما وكيفا. . هذا إذا ما علمنا أن الحركة النقدية النسائية تكاد تكون حركة وليدة. . . لا يتجاوز عمرها الحقيقي بضع سنوات وتقتصر على عدد معين من الناقدات في حين أن نقد الرجال قد رافق الأدب منذ اقدم العصور، وحقق إنجازا واسعا على كافة الأصعدة.
المرأة وحركة النقد. . .