تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أول رمضان سنة 187هـ / 802م (1) سار الرشيد على رأس حملة من مائة وعشرين ألف (2) ؛ لتأديب نقفور، واتجه إلى هرقلة (3) ، وحين بلغ نقفور خبر تقدم هارون أمر قادته بسرعة اقتلاع الأشجار وإلقاءها أمام طريق هارون وإشعال النيران فيها؛ ليمنعه من الوصول إلى هرقلة، لكن هارون وصل النار ولبس ثياب النفاطين فخاضها ثم تبعه الناس حتى وصل هرقلة (4) ، وحاصرها عدة أيام حتى فتحها (5) عنوة، وغنم أموالاً كثيرة، وأسر عدداً من أهلها وفيهم ابنه ملكها، ولم يجد نقفور بداً – حين علم بذلك – من مصالحة الرشيد على جزية – تسعين ألف دينار (6) – كل سنة؛ ليبعد المسلمين عن بلاده؛ لانشغال عدد كبير من جيشه بالقضاء على ثورة بارادانس توركس Bardanus Torcus الذي دان لزعامته جميع ثغور آسيا الصغرى سنة 188هـ / 803م (7)

أثبتت هذه الأحداث أن بيزنطة كانت تعاني من ضعف الحكام وافتقارهم إلى المقدرة السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بمواجهة خصمها التقليدي وهو الخلافة العباسية، فنقفور الذي رفض مواصلة دفع جزية إيريني أصبح عليه الآن الالتزام بالدفع مرة أخرى، بمقتضى اتفاقه مع هارون على النحو الذي عرضنا له، بل إن نقفور يسيء تقدير المواقف مرة أخرى معرضاً بيزنطة للخطر من جانب هارون الرشيد، وذلك حينما خرق اتفاقيته السابقة مع الخليفة العباسي فبعدما تأكد نقفور أن هارون قد وصل إلى الرقة نقض الصلح الذي عقده مع الرشيد (1) ، ولعله ندم على مصالحته للرشيد، خاصة وأنه كرهه قبل ذلك، واتهم إيريني بالضعف والحمق بسببه، ولابد أنه وجد من سوّل له نقض الصلح وطمأنه بأن المسلمين عادوا إلى ديارهم، وأصبحوا بعيدين عنهم، وأنهم لن يتمكنوا من غزوهم في الشتاء القارس وأنهم سيتهيأون لقتالهم في الصيف القادم إن عادوا إليهم. ولعل نقفور قام بهذا العمل من قبيل محاولة الإعلان عن قوة بيزنطة منتهزاً فرصة انشغال هارون الرشيد ببعض الفتن داخل الخلافة العباسية (2) .

ولما وصلت أخبار نقض الصلح إلى المسلمين ترددوا في إبلاغ الرشيد؛ إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرّة عليهم في مثل تلك الأيام التي كان البرد فيها شديداً (3) ، لكن احتيل له بشاعر من جنده يقال له: الحجاج بن يوسف التميمي فقال للرشيد:

نقض الذي أعطيته نقفور

فعليه دائرة البوار تدور

أبشر أمير المؤمنين فإنه

غنمٌ أتاك به الإله كبير

فلقد تباشرت الرعية أن أتى

بالنقض عنه وافدٌ وبشير

ورجت يمينك أن تعجل غزوة

تشفي النفوس مكانها مذكور

أعطاك جزيته وطأطأ خدّه

حذر الصوارم والردى محذور

فأجرته من وقعها وكأنها

بأكفّنا شعل الضرام تطير

وصرفت بالطول العساكر قافلاً

عنه وجارك آمن مسرور

نقفور إنك حين تغدر إن نأى

عنك الإمام لجاهل مغرور

أظننت حين غدرت أنك مفلت

هبلتك أمك ما ظننت غرور

ألقاك حينك في زواجر بحره

فطمت عليك من الإمام بحور

إن الإمام على اقتسارك قادر

قربت ديارك أم نأت بك دور

ليس الإمام وإن غفلنا غافلاً

عمّا يسوس بحزمه ويديرُ

ملك تجرّد للجهاد بنفسه

فعدوّه أبداً به مقهور (1)

ولما تأكد الرشيد من نقض نقفور الصلح الذي عقده معه تجهز إليهم وتحرك للمرة الثانية في شهر شوال سنة 187هـ / 802م - على رأس حملة من ثمانين ألفاً؛ لتأديب نقفور، واتجه صوب هرقلة، وكان البرد قارساً وعانى بسببه معاناة شديدة، وهذا واضح من قول ابن الأثير (2) ((فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم كلفة)) وحاصر هرقلة (3) ورماها بالنفط والنار حتى سلّم أهلها (4) . يقول أبو العتاهية:

ألا نادت هرقلة بالخراب

من الملك الموفق للصواب

غدا هارون يرعد بالمنايا

ويبرق بالمذكرة القضاب

ورايات يحلّ النصر فيها

تمرّ كأنها قطع السحاب (5)

هكذا كانت العلاقة بين الخلافة العباسية والدولة البيزنطية سنة 187هـ / 802م - وخاصة شهر شعبان ورمضان وشوال – عدائية فنقض نقفور الصلح مع الرشيد وامتنع عن دفع الجزية التي اعتادت إيريني دفعها كل سنة، فتمخض عن ذلك فتح المسلمين لبعض حصون الروم، كحصن قرة وحصن سنان، وطلب نقفور من الرشيد ردّ الأموال التي دفعتها إيريني خلال حكمها، فترتب على ذلك فتح هرقلة وتأديب نقفور، ودفعه للجزية المقررة عليه، وبعد عودة المسلمين إلى بلادهم نقض نقفور الصلح واسترد هرقلة، فعاد المسلمون واستردوها، وهذا يدل على أهمية هرقلة لدى الطرفين؛ لأنها تمثل مركزاً استراتيجياً باعتبار أنها مدخل أرض الروم بعد الثغور الشامية، ونهاية حدود الدولة الإسلامية من أرض الشام، كما يدل أيضاً على تحمل الرشيد والمسلمين للغزو وصبرهم عليه، فقد دخلوا أرض الروم ثلاث مرات خلال ثلاثة أشهر؛ بينما يدل على ضعف المقاتلين البيزنطيين؛ لأنهم يقاتلون من وراء الحصون والقلاع مهابة الموت تحت سيوف المسلمين ويتضح كذلك حب نقفور الشديد لنقض العهد والغدر بالآخرين، فقد حدث منه ذلك مع المسلمين ثلاث مرات، فكان من شرّ ما دبّ على وجه الأرض؛ لأنه كفر بالله تعالى، ونقض العهود والمواثيق أكثر من مرة فلا عهد له بعد ذلك ولا ذمة (1) . يقول الله تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ (2) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٨٣