ويظهر أن هذه الصائفة أفزعت الإمبراطورة إيريني، وجعلتها تدفع جزية مقدارها تسعين ألف دينار؛ لخوفها على عرشها من السقوط (7) ، وعاد الجيش الإسلامي إلى الشام بعد أن أبلى بلاءً حسناً في قتاله للروم.
والحقيقة أن مقاومة البيزنطيين للصوائف والشواتي كانت ضعيفة جدّاً؛ لأن الإمبراطورية البيزنطية تعاني من اضطرابات داخلية، وأهمها الخلاف الذي دار بين إيريني وبين ابنها قسطنطين حول مطالبتها ببقاء الوضع على ما كان عليه – الوصاية على ابنها – ليصبح تحت سلطانها.
ووقف الجيش إلى جانب إيريني، وساندت العناصر من رجال الدين البارزين قسطنطين السادس، حتى تولى الحكم ولم يعد لأمّه من صفة غير والدة الإمبراطور، ولكن أعاد إليها ابنها لقب إمبراطورة لرغبة أمه وتوسلاتها الكثيرة، فبدأت الأم من هذا المنطلق في الإطاحة بابنها حتى تظل إمبراطورة من الناحية الرسمية والعملية، فأثارت رجال الدين ضدّه بعدّة طرق (1) ، فاضطر قسطنطين السادس إلى القبض عليهم وإنزال العذاب بهم ونفيهم، وأثارت جيش أرمينية عليه حينما أقدم على سمل عيني قائدهم الأرمني – الكسيوس – لمعارضته له وأغضبت أعمامه عليه – وهم الذين ساعدوه في الوصول إلى العرش – عندما سمل عيني أكبرهم – نقفور (2) – ونتيجة لذلك انفض الجميع من حوله وكرهوه وتمنوا الخلاص منه، فأمرت إيريني بإلقاء القبض عليه ثم سمل عينيه – سنة 182هـ / 797م (3) – ليبقى بقية عمره على هامش الحياة (4) ، وهذا يشير بوضوح إلى أنه ليس ابنها وإنما ابن زوجها.
جدير بالذكر أن هذه الخلافات استمرت حوالي عشر سنوات 170 – 181هـ / 786 – 797م (أي منذ بلوغ قسطنطين السادس سن الرشد حتى قرب دخول الجيش الإسلامي أفسوس) . وهذا يفيد انشغال إيريني بالأوضاع الداخلية فلم تلق بالاً للدولة البيزنطية، وكان همّها الأكبر أن تظل إمبراطورة من الناحية الرسمية والفعلية، وربما أثّر عدم اهتمامها بأمن بلادها على الشعب والجيش فلم يحرصا كذلك على الأمن، ولهذا كان دفاع الجيش عنها ضعيفاً، وهذا لا يعني ضعف استعدادات الروم وتساهلهم في قتال المسلمين، بدليل القتال المستمر بين الطرفين والانتصارات والهزائم والغنائم والأسرى، ولكن يبدو أنه لم يكن هناك جدّية في القتال من جانب الروم لا براً ولا بحراً. يذكر أحد المؤرخين (1) أنه في سنة 182هـ / 798م حدث لقاء بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي في الخليج المقابل لمدينة أضاليا، هُزم فيه الأسطول البيزنطي هزيمة ساحقة، وأسر قائدهم البيزنطي ثيوفيلوس Theopilus.
ج – بين الرشيد وإيريني في الفترة - 183 – 186هـ / 799 – 802م:
أصبحت إيريني الحاكم الفعلي على الإمبراطورية البيزنطية بعد سمل عيني ابنها قسطنطين، ونعتت نفسها بأنها إمبراطور Basilieus لا إمبراطورة Basilissa (2) ، والتمست الوسائل العديدة لتوطيد سلطانها، فتقربت إلى المسلمين بجزية سنوية مقدارها تسعين ألف دينار تدفعها كل سنة؛ لتوقف حملاتهم على بلادها، خشية تساقط المدن الرومية، مما يؤدي إلى ثورة الشعب عليها، وبالتالي زوال سلطانها، وبذلت الهبات والمنح لسكان العاصمة (بيزنطة) الذي يتوقف على رضاهم – إلى حدّ كبير – مصير حكومة قلقة غير مستقرة، وألغت ضريبة البلدية التي يدفعها سكان بيزنطة؛ لأنها تعتبر عبئاً ثقيلاً عليهم (3) .
واستفادت الخلافة العباسية من هذا الصلح الذي عقد بين الرشيد وإيريني - والذي توقفت فيه الشواتي والصوائف على أرض الروم في الفترة بين 183 – 186هـ / 799 – 802 م – ففضلاً عن هذه الجزية التي تسلّم للخلافة العباسية – تسعون ألف دينار – مع بداية كل سنة، أتيح للرشيد – خلال فترة الصلح – أن يوجّه اهتمامه للخزر (1) ، الذين دخلوا سنة 183هـ/ 799م على المسلمين من ثلمة (2) أرمينية بأكثر من مائة ألف، وهدموا بعض المدن، وقتلوا عدداً من سكانها وأسروا آخرين، فاضطر الرشيد أن يوجّه قوات الخلافة العباسية عليهم، يقودها: خازم بن خزيمة (3) ويزيد ابن مزيد الشيباني (4) ، فطردوا الخزر من أرض المسلمين، وسدّت الثلمة، وأصلحوا ما خرّبوه (5) . كما تفرغ الرشيد لتنفيذ بعض الأمور التي كانت تشغل باله ويتحين الفرصة المناسبة ليتخذ قراره بشأنها، ففي الداخل بدأ يتخذ خطوات فعالة للتخلص من نفوذ البرامكة (6) وفي الخارج اتخذ هارون واحداً من أقوى المواقف التي تحسب له؛ إذ اعترف بالأغالبة (7) أمراء مستقلون لشؤون تونس (أفريقية) ولكن في إطار التبعية الإسمية للخلافة العباسية (8) .