تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وإذا قلنا بالوجوب المطلق فإن هذا الحكم ستكون مآلاته على خلاف ما قصد منه، فإنه بالنظر في الواقع إذا وزن القول بالوجوب المطلق بميزان المصالح والمفاسد يظهر لنا كثيراً من المفاسد التي ستنشأ عن تطبيق هذا الحكم، الأمر الذي يخالف مقصود الأصل الذي يسعى إليه المجتهد.

ج حكم التشخيص قبل زرع النطفة:

... هي إحدى طرق التلقيح الاصطناعي الخارجي (الإخصاب المعملي) حيث يتم الإخصاب في وسط معملي يؤخذ فيه الماءان من زوج وزوجته فتوضع في أنبوب اختبار طبي حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته إلى أن تنمو مرحلة (النوتة) ثم تفحص وراثياً، فإن كانت معيبة تركت وإن كانت سليمة أعيدت إلى الرحم.

... وهذه الطريقة هي في الواقع أسلوب من أساليب طفل الأنابيب، وقد سبق أن أجاب الفقهاء رحمهم الله بجوازه للضرورة، حيث أن هذه الطريقة محفوفة بالمخاطر منها: الاحتمال الكبير بحدوث الخطأ في اختلاط النطف. ومنها: خطر طلب الانتقاء في المواليد.

... وعليه نرى عدم جواز هذه الطريقة من الإرشاد الجيني في الأحوال العادية حفاظاً على مقاصد الشريعة في صيانة النسل والنسب، ولأنها لا تجوز إلا للضرورة، ولا نرى الفحوص الوراثية من الضرورات على الأقل في هذا الوقت بناء على ما تقدم من تصور طبي لفوائدها ومحاذيرها ومصداقية نتائجها، ثم إنه قد يسلم الإنسان من المرض الوراثي بسبب الوراثة ولا يسلم منه لعوامل أخرى تقدم ذكرها، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

د حكم الفحص في أثناء الحمل:

... لهذه الطريقة وسائل طبية متنوعة، ويمكن إجراؤها في مراحل مختلفة من الحمل، في أوله، ووسطه، وآخره، والذي وقفت عليه من الوسائل ثلاث وهي:

... 1 بواسطة الزغبات المشيمية.

... 2 بواسطة إزالة السائل الأمينوسي وفحصه.

... 3 بواسطة فحص دم الجنين.

... ولا يختلف الحكم في هذه الوسائل بحكم أن مؤداها واحد في نظري، فأرى جوازها بناء على ما تحققه من محافظة على مقاصد الشريعة بصيانة النسل، ولما فيها من دفع الضرر قبل وقوعه، وللمصلحة المترتبة.

... أما إجبار المرأة الحامل على هذا الفحص فيمكن القول بجواز الإجبار في جميع الحالات إذا وجدت قرائن ظنية، أو أمارات تفيد احتمال وجود المرض الوراثي (مثل حمل المرأة إذا تعدت سن 35 للفحص عن متلازمة داون) ، وكان ذلك بقول أهل الطب والخبرة الثقات، فإذا ظهر صحة ذلك وتحقق وجود المرض قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مريضاً مرضاً خطيراً غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين.

... وإذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه دفعا لأعظم الضررين (1) .

• • •

خاتمة البحث:

.. وهكذا فبالموازنة الشرعية السابقة بين المصالح والمفاسد الناتجة من إجراء الفحوصات الجينية ظهر لي عدم جواز إلزام المكلفين مالياً ونفسياً واجتماعياً بهذه الفحوصات التي لازالت في حيز التجربة الظنية، ويترتب عليها من المشاكل الاجتماعية والمالية والنفسية أعظم مما يمكن توقع حصوله من الفائدة، ولو أردنا السعي وراء المكتشفات والتوقعات الطبية من غير تَرَوٍّ وتبصرٍ لأدخلنا الناس في حرج عظيم، وفتحنا عليهم مجالاً كبيراً لإهدار الوقت والمال والعقل، فأرى الاكتفاء بجواز الاستفادة من هذه الفحوصات ضمن الحدود المتقدمة في هذا البحث إلى أن يظهر أمر جديد في هذه النازلة فيحدث له حكم بحدوثها.

... هذا وإن هذه النازلة الفقهية لا تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات والبحوث ومتابعة المعطيات الطبية المستجدة في مجال طرق الإرشاد ووسائله حتى نصل للحكم الشرعي الصحيح المتفق مع الأدلة الشرعية، وأرجو أن أكون وفقت في تقديم ما يخدم هذا الاتجاه في الندوة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٢٩