والحمد لله أولا وأخرا، وظاهرا وباطنا.
الفصل الأول: استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب وبيعها وشراؤها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل أو الشرب
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في معنى الاستعمال والفرق بينه وبين التحلي
الاستعمال في اللغة: يأتي بمعان، منها: طلب العمل، أو توليته. ومنها الجعل والتصيير. فاستعمله أي: عمل به فهو مستعمل (1) . أي جعله محلاً للعمل.
والاستعمال في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن معناه اللغوي. وهو: التلبس بالانتفاع؛ أي أن يستعمله الإنسان فيما أُعد له (2) ، أو فيما لا يعد له.
وكما أن الشرب بآنية الذهب أو الفضة استعمال لها، فكذلك لبس الذهب استعمال بالتحلي، لكن العرف الفقهي خصص الاستعمال بغير ما كان من التحلي تفريقا بينهما، ولافتراقهما في الأحكام.
والتفرقة بين التحلي والاستعمال هو أن كل ما ليس له فائدة سوى اللبس والزينة كالسوار والوسام فهو حلي واستعماله تحلٍّ، على سبيل التخصيص من عموم الاستعمال. وكل ما له فائدة جوهرية بالاستعمال، وفائدة عرضية بالزينة؛ كالقلم؛ فهو من متعلقات الاستعمال، بشرط انفصاله عن ملابسة الجسم على سبيل المصاحبة (3) .
وما اشتمل على فائدتي الاستعمال والزينة فإن كان إلى متعلقات التحلي أقرب منه إلى الاستعمال؛ لملابسته الجسد سواء أكان بتمام الاتصال؛ كتركيب أو تلبيس أسنان ذهبية أو فضية، أو دون الملابسة؛ كساعة الجيب وسلسلتها، وساعة اليد، والنظارة. فهو ملحق باللباس، والتحلي، فينبغي أن يلحق كل صنف بما غلب عليه؛ فإن غلبت عليه صفة الاستعمال ألحق بالآنية، وإن غلبت عليه صفة اللباس ألحق باللباس.
المطلب الثاني: تعريف الآنية
الإناء: مفرد. وجمعه آنية. كسقاء وأسقيه، ووعاء وأوعية. وجمع الآنية أوانٍ. والأصل أأني أبدلت الهمزة الثانية واوا، كراهية اجتماع همزتين كآدم وأو آدم.
والإناء الذي يرتفق به. وهو مشتق من ذلك؛ لأنه قد بلغ أن يعتمل بما يعانى به، من طبخ أو خرز أو نجارة (1) .
ومن الجدير بالذكر أن ما يقال له الذهب الأبيض ليس ذهباً، وليس له أي صلة بإذهب، لا من حيث معدنه، ولا لونه فلا تنطبق عليه أحكامه. واسمه الحقيقي بلاتين. وقد عرف الذهب بأنه (عنصر فِلِزِّيِّ، أصفر اللون، وزنه الذري197,2 وعدده الذري79، وكثافته19,4) (2) .
المطلب الثالث: حكم استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل أو الشرب
يحرم استعمال أواني الذهب، أو الفضة؛ كالملاعق، والسكاكين، والشوكات، والصحون، والكاسات، ونحوها. في الأكل، أو الشرب منها، أو بها، على الرجال والنساء، بالإجماع في الشرب، إلا ما نقل عن معاوية بن قرة من إجازته ذلك (1) . وأما الأكل فأجازه داود والحديث الآتي في الأدلة يرد عليه، ولعله لم يبلغه، وقول قديم للشافعي بالكراهية لا بالتحريم (2) . قال النووي: (استعمال الإناء من ذهب أو فضة حرام على المذهب الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور. وحكي المصنف [الشيرازي] وآخرون من العراقيين والقاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي قولا قديما يعني للشافعي أنه يكره كراهية تنزيه ولا يحرم، وأنكر أكثر الخرسانيين هذا القول، وتأوله بعضهم على أن المشروب في نفسه ليس حراما… ومن أثبت القديم فهو معترف بضعفه في النقل والدليل) (3) . وقال: (واعلم أن هذا القديم لا تفريع عليه وما ذكره الأصحاب ونذكره تفريع على الجديد) (4) .
وخلاصة القول أنه يحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على مذاهب الأئمة الأربعة؛ بل هو إجماع عموم المسلمين. وقد عبر الحنفية عن الحرمة بالكراهية (5) . قال المرغيناني: (قال في الجامع الصغير: يكره ومراده التحريم) (6) . ومما يؤكد قول الإمام الشافعي رحمه الله ماجاء في الأم (فإن توضأ أحد فيها أو شرب، كرهت ذلك له، ولم آمره يعيد الوضوء، ولم أزعم أن الماء الذي شُرِبَ، ولا الطعام الذي أُكِلَ فيها محرم عليه، وكان الفعل من الشرب فيها معصية) (7) . فقد سمى الشرب في الأواني المذكورة معصية؛ وهي من أسماء الحرام. والأم من الجديد، وما فيها هو جار على الجديد (8) .