تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1-ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (قال لها: ((يا عائشة لولا قومكِ حديثٌ عهدهم –قال ابن الزبير: بكفر – لنقضتُ الكعبة فجعلت لها بابين: بابٌ يدخل الناس، وبابٌ يخرجون)) ففعله ابن الزبير (3) .

وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُرَ فهمُ بعض الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه) .

قال ابن حجر – رحمه الله – (وفي الحديث معنى ما ترجم له لأن قريشاً كانت تعظم أمر الكعبة جداً، فخشيَ (أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويُستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه) (4) .

2- ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كان النبي (يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا)) (5)

فترك (كثرة الوعظ والتعليم لدفع مفسدة النفور والفتور والانقطاع، ((وكان أحبَّ الدين إليه ما دام عليه صاحبه)) (6)

3- ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي (قال: لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه- ((يا معاذ بن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، (ثلاثاً) ، قال: ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرَّمه الله على النار)) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذاً يتكلوا)) ، وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. (1) .

وفي صحيح مسلم أن النبي (قال لأبي هريرة رضي الله عنه – ((فمن لقيتَ 00 يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، فبشره بالجنة)) ، فلقيه عمر – رضي الله عنه – فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هريرة، ودخل على أثره فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس، فخلهم يعملون، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فخلهم)) (2) .

قال ابن حجر – رحمه الله -: (فكأن قوله (لمعاذ ((أخاف أن يتكلوا)) كان بعد قصة أبي هريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم 0 فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ (3) أ. هـ.

ولاطلاعه – رضي الله عنه – على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم كما هو ظاهر من قصة أبي هريرة رضي الله عنه 0

فتبليغ الناس بهذه البشارة وإدخال السرور عليهم بذلك مصلحة، واتكالهم على ذلك وعدم فهمهم وتركهم العمل مفسدة عظيمة، لذا اعتمد رسول الله ش ما رآه عمر – رضي الله عنه – في ذلك (4) .

وروى البخاري – رحمه الله – عن علي – رضي الله عنه- أنه قال: ((حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولهُ)) (5) .

قال ابن حجر – رحمه الله -: (وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكر عند العامة) (6) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: (.. إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام، وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر، وسعياً في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٧٨