تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4- اليأس من إدراك كنهها وكيفيتها.

5- الإيمان بما تقتضيه تلك الصفات من الآثار وما يترتب عليها من الأحكام.

أما بالنسبة للنقطة الأولى: وهي إثبات الصفات لله عز وجل حقيقةً على الوجه اللائق به، وأن لا تعامل بالنفي والإنكار. فتفصيلها أن يقال: صفات الله تعالى كلها صفات كمال.

قال تعالى ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل 60] .

وقال تعالى ﴿وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الروم 27] .

قال ابن كثير: (( ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أي الكمال المطلق من كل وجه)) (1) .

وقال القرطبي: (( ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أي الوصف الأعلى)) (2) .

فالله سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه أن له الوصف الأعلى والكمال المطلق من كل وجه، فيجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر به في كتابه أو على لسان رسوله (من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لأن الله تعالى هو الذي أخبر بها عن نفسه ووصف بها نفسه، وهو سبحانه المستحق للكمال من جميع الوجوه، كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة وغيرها.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وصف سبحانه نفسه بأن له المثل الأعلى فقال تعالى ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل 60] ، فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده، ولهذا كان له المثل الأعلى وهو أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره ... والمثل الأعلى: هو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره، ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ووجهه الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وبصره وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان، لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، ويستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى، مثل، أو نظير، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة ... فهذه الآية من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه)) (1) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه، فثبوت الحياة مستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك (2) .

وثبوت ((معنى الكمال)) قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد لله، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى.

وقد ثبت لفظ ((الكمال)) فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾ [الإخلاص 1-2] ، أن الصمد المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه وتعالى.

وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كُفُواً ولا كمثله شيء، وهكذا سائر صفات الكمال.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠١٧