فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة، فكل اسم أو صفة لله سبحانه وتعالى وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.
وأما النفي فهو أن ينفى عن الله عز وجل كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
قال الإمام أحمد: ((لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله (لا نتجاوز القرآن والسنة)) (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله (، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي ممثالة المخلوقات قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى 11] ، فهذا رد على الممثلة ﴿وهو السميع البصير﴾ [الشورى 11] رد على المعطلة.
وقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسِّنَةِ، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات)) (2) .
وقد ارتكز معتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته على ثلاثة أسس رئيسة، هي (3) :
الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتاً ونفياً.
الأساس الثاني: تنزيه الله جلّ وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئاً من صفات المخلوقين.
الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات.
وهذه الأسس الثلاثة هي التي تفصِّل وتميز عقيدة أهل السنة في هذا الباب عن عقيدة أهل التعطيل (من الفلاسفة وأهل الكلام) من جهة.
وعن عقيدة أهل التمثيل (من الكرامية والهشامية وغيرهم) من جهة أخرى.
فالأساس الأول: فيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المعطلة، فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه (، ولا يتجاوزنهما، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
((وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقاً، وأما في باب الإخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقاً يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عز وجل وجب رده)) (1) .
ومجمل القول أن في الأمر ثلاثة أبواب:
1 باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
2 باب الصفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
3 باب الإخبار: وهذا لا يشترط فيه النصّ الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بسيئ.
أما أهل التعطيل: فقد جعلوا ((العقل)) وحده هو أصل علمهم، فالشُّبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تُثبِت وتَنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قُبِلَت اعتضاداً لا اعتماداً، وإن عارضتها رُدت تلك النصوص الشرعية وطُرِحت، وفي هذا يقول قائلهم: ((كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزاً له وجب التصديق به ... وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه يعني بها أحاديث الصفات أكثرها غير صحيح، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل)) (2) .
فهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضاً عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تُجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثمَّ سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يُلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلاً يجد أن القوم يُقسِّمون أبواب العقيدة إلى إلهيات ونبوات وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يعتمدون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من ملاحدة اليونان وتلامذتهم أم من كلام الله ورسوله (؟!