دعوة الحق، س.2، ع4 /يناير 1959 ................... ص 77
في شعرنا المعاصر
بقلم: محمد الأمري المصمودي
مما يحز في النفس، إلا يجد المتهم بالشعر في بلادنا رهن يده دراسات مختلفة، تنير السبيل أمامه، وتهيئ له أن يكون حكما صحيحا له أو عليه. إن أكثر مثقفينا يعر فون الشيء الكثير عن الشعر الحديث في مصر ولبنان والعراق وغيرها، ويكاد أكثر هؤلاء يجهلون أي شيء عن الشعر المغربي القديم، ولا يكادون يكونون لأنفسهم صورة واضحة عن شعرنا المعاصر. أما إخواننا في الشرق العربي فلا يعرفون شيئا عن تواتنا الشعري، ولا عن نهضتنا الأدبية الحديثة، ولعلنا لا نعجب إذا رأينا من يزورنا من إخواننا العرب يبحث أول ما يبحث عن أدبائنا، ويسأل في لهفة هل لكم شعراء؟
والحق أن لنا في هذا أكبر المسؤولية، حيث لم نفعل ما كان يجب علينا أن نفعله لدراسة هذا التراث الشعري دراسة منهجية، وتقييمه بالإضافة إلى شعرنا الحديث، والعريف به التعريف اللازم.
لا ننكر أن هناك مجهودات لبعض أدبائنا المبرزين في التعريف بشعرائنا القدامى، تتجلى في أبحاث نشرت في بعض الصحف والمجلات المغربية (1) وقليل منها أخرجته المطبعة في شكل كتب (2) لكني لا أعتقد أنها كافية في التعريف بالشعر المغربي، لأن هذه الأبحاث وهذه الكتب غير متداولة بحيث تكون في متناول جميع من يهمه الاطلاع عليها هنا في المغرب والشرق العربي. هذا من جهة، ثم أن قليلا منها يمتاز بالعرض الأدبي السليم الذي يبعد عن الترجمة السطحية التي لا تستطيع التعمق في تحليل الشخصية المدروسة، ولا إبراز خصائصها أو لمس جوانب الذروة في إنتاجها ومظاهر الضعف فيه، ثم أنها من جهة ثالثة لم تستوعب جميع ما كان لنا من شعراء، ومن ثم كانت هذه الضرورة الملحة التي تدعونا إلى إشاعة ما أنتج حتى الآن في طبعات متعددة، تطلعنا نحن أنفسنا كما تطلع غيرنا على جزء من تراثنا الشعري الذي لا ينعدم فيه الإبداع، كما تدعونا هذه الضرورة إلى المزيد في الكشف عن أولئك الذين لم تتناولهم بعد الأقلام بالدراسة والتحليل، ومن الطبيعي أن تكون هذه الدراسة بالمعنى الصحيح على غرار دراسة الكتاب الكبير عباس محمود العقاد لابن الرومي مثلا.
والأمر أدهى عندما يمتد القول إلى شعرنا المعاصر حيث تتسع الهوة، ونحس فراغا هائلا لم يجرؤ واحد على أن يخرق الصمت الضارب أطنابه حوله، (3) ولا نكاد نعثر على مقال واحد يحاول دراسة أو تخطيط دراسة لهذا الشعر، ولن يشفع لنا في ذلك أنه قليل، ولا أن غير قليل منه شعر مناسبات، ولا غير هذا ذاك مما يتخذه أكثرنا ذريعة لهذا الإطراق الرهيب!! كتاب واحد نستطيع العثور عليه في هذا الباب هو «الأدب العربي في المغرب الأقصى» للسيد محمد بن العباس القباج، وهو كتاب لا يفي بالمراد، لأن صاحبه لم يفعل أكثر من أن عرفنا بتراجم بعض الشعراء المغاربة المحدثين، كتبها بعضهم بأقلامهم، وفيها من زهر الطاوس الشيء الكثير، ثم نماذج من أشعارهم مجرداعن كل تحليل أو دراسة أو نقد، كما يعترف المؤلف نفسه بذلك في مقدمة الكتاب، أضف إلى ذلك أنه لا يتعرض لكثير من الشعراء، أما لأن المؤلف لم يتأت له معرفتهم أو الاتصال بهم، أو أنهم لم يجيبوه إلى طلبه كما يذكر في خاتمة الكتاب، وأما لأنهم كانوا وقت تأليف الكتاب (1928) في طور المران، وشاعريتهم في نشأتها الأولى، وأما لأنهم كانوا لم يطرقوا عالم الشعر بعد.
أليس من واجبنا مرة أخرى أن ندرس شعر هؤلاء الذين قدمهم إلينا السيد القباج، بعد أن نعمل على إخراج دواوينهم إلى النور؟ وبالتالي أليس علينا إلا نقف مكتوفي الأيدي معقودي الألسنة أمام شعراء آخرين لم يذكرهم صاحب الكتاب وهم جديرون بالدراسة قبل أن نسمح لأنفسنا بارتجال الأحكام؟ أن شاعرا قدر له أن يصبح في أحلك الظروف:
(1) أبحاث الأستاذ محمد الفاسي في رسالة المغرب عن ابن حبوس والجواري وابن الخطابي وغيرهم.
(2) كتاب النبوغ المغربي للأستاذ عبد الله كنون.
(3) أقصد الحديث عن شعرنا المعاصر في مجموعه لا على شعراء بالذات.