فلم يقل المهيب فيها.
10 ـ بعد هذا نرجع لقول الناقد: (وما يعنينا واللغة العربية أيد الله ملكها وأدامه واسعة الأبواب تستطيع فيها نصب الفاعل ورفع المفعول إذا شئت، وإنك واجد لكل حال عذرا من عبث الرواة والشعراء بعلماء اللغة في عصر التدوين).
وهذه جملة متواصلة، كل واحدة منها تحتاج إلى كتابة مقال، ولا يمكننا أن نمر بها مر الكرام. فليس يصح عن اللغة العربية: إنك تستطيع رفع المفعول ونصب الفاعل فيها. فأما أنها واسعة فصحيح، وإما أنها تخضع لقواعد وقوانين فهو محض إدعاء، وإذا كانت هناك استعمالات عربية فيجب أن تعتبر هي الأصل وإن قياس عليها وتبقى القواعد في محالها ومن علامتها الدالة عليها، ولا يصح نصب الفاعل ورفع المفعول لأي كان وبدون قاعدة، ولكن إذا وقع في كلام العرب فطبقا لتأويل يتفق مع القاعدة في بابه، ولاعتبارات بيانية خاصة، ولو عدل عن استعمال الرخصة فيها لكان ذلك لحنا أو ركاكة، وهذا ما يدركه ويمضي عليه اقحاح العرب ومن أخذ نفسه بالعربية وتملي بفنونها على طريق السليقة، فلا يمكن أن يلحن العربي، وإنما يحلن الذي يخطئه، وقد قيل لبعض الأعراب: أتهمزون الفارة؟
فأجاب بسليقته: إنما تهمزها القطة.
وأما اتهام الرواة والشعراء بالعبث بعلماء اللغة في عصر التدوين، فهو إدعاء خطير جدا إذا أطلق على عواهنه، فالشعراء الذين أحتج اللغويون بكلامهم هم شعراء العرب الإقحام، وليس يصح شيء إذا لم يصح ما نطقوا به، وقد زعم قوم تغليط بعض العرب لمخالفة لهجتهم لهجة الآخرين، أو لكونهم انفردوا باستعمال بعض الأساليب، وقد ندد بهاؤلاء الزاعمين الأستاذ الخولي، والأستاذ طه الراوي. وقال الدكتور المخزومي في خاتمة كتابه القيم عن مدرسة الكوفة ص 439:
«ولسنا نوافق كثيرين من القدماء وبعض المحدثين في تغليط بعض العرب، والإدعاء بأن العرب وهم أصحاب اللغة يغلطون أو يتكلمون على غير قياس لغتهم، لأنا نرى ـ كما قلنا غير مرة ـ أن اللغة غادة، ومن الصعب التصديق بأن صاحبها ينسى ما تعوده أو تلغط فيه، ولن يضير فصاحة لهجة مخالفتها لهجات عربية أخرى، فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرا منه».
وقد نقل السيد الطالب بن ج في حاشيته على شرح لأمية الأفعال عن جمع من الأئمة أن وقوع الشاذ في الكلام لا يخل بفصاحته.
وأما الرواة فقد تصدى لهم أئمة اللغة وعربوا حسن الرواية من مستهجنها، ولم يعتمدوا على مطلق الناس، بل كان البصريون لا يثقون بحضري ولا يأخذون شيئا من كلامه.
وتجنب البصريون والبصريون والكوفيون الاستدلال بالحديث في اللغة ما وسعهم ذلك، معللين ذلك بكون رواة الحديث يجيزون روايته بالمعنى، ونحن وإن كنا لا نوافيهم على رأيهم لأننا لا نرى موجبا للثقة برواة الحديث، فإن عملهم ذلك يدل على مقدار تحريهم في النقل.
والواجب هو أن يواصل العرب عمل الإسلاف في أيام التدوين، وإن لا يعتبروا عهد التدوين قد انتهى، فلم يحط بكل شيء من كلام العرب، ولم تقع خدمة المدونات نفسها على أتم وجوهها.
11 ـ ثم يقول الناقد: (وحين نأخذ على الشاعر ثورته هذه، لا ننسى أم المنهج الفقهي أصبح مرفوضا في النقد الحديث، وإنما نفعل ذلك من قبيل: حسنات الإبرار سيئات المقربين).
أنا نشكر للأستاذ تواضعه وصوفيته، ولكننا لا نتركه في هذه الإشراقة الأخيرة قبل أن نخوض معه الموضوع الذي درسناه من جهة منهجه الفقهي، ليعلم أنه ليست هناك حسنات إبرار ولا سيئات مقربين، وإنما هنالك سليقة عربية تتفق مع قواعد اللغة وقوانين النحو، وقد تناولنا في ملاحظاته:
أ ـ تعدية الفعل من غير أداة
ب ـ وتضمين الأفعال لتعديتها بغير الحرف المخصص لها.
ج ـ واستعمال حرف الجر فيما يتعدى بنفسه وكان يمكننا أن نكتفي بالإشارة بجمل متداولة، وهي نيابة الحروف بعضها عن بعض، والحذف والاتصال وصلة الحرف أو زيادته، ولكننا نؤثر أن نكون أكثر تحقيقا لأن طلبة الباكلوريا أعزاء علينا وأستاذهم كذلك، فلابد أن نذكرهم بالعروف بعضها عن بعض، والحذف والإيصال وصلة الحرف أو زيادته، ولكننا نؤثر أن نكون أكثر تحقيقا لأن طلبة الباكلوريا أغراء علينا وأستاذهم كذلك، فلابد أن نذكرهم بالعروف في الموضوع:
قال الأزهري غي التصريح ص 4 ج 2: والصحيح عند البصريين أن حروف الجر لا تنوب أحرف الجزم وأحرف النصب، وما أوهم ذلك فهو عندهم مؤول، أما على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وأما على شذوذ وإنابة كلمة عن أخرى، وهذا الأخير هو محمل الباب عند الكوفيين وبعض المتأخرين، ولا