تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا تركنا جانبا بعض الأبحاث السطحية التي لم تكن قيمة علمية تذكر، فإن المؤتمر انشطر شطرين، يقف في احدهما المستشرقون والغربيون بوجه عام في فهمهم الخاص للإسلام والشرق، وآرائهم المنحرفة أو الخطيئة أو المبنية على الأهواء، ولم يخل هذا الفريق من بعض المنصفين المخلصين للعلم ولكن دون أن يكون فيما قدموا إبداع أو عمق في التفكير، وأما الفريق الآخر فقد وقف فيه علماء من المسلمين تمثل فيهم النضج والفهم الصحيح والفكر العميق، وظهرت في أبحاثهم ذاتية الإسلام وخصائصه العميقة، وتجاوزوا تلك المرحلة التي كان الإسلام يقف فيها كالسائل يستجدي من الغرب وحضارته الحكم بصلاحه ورقيه عن طريق المقاييس والقيم الغربية نفسها، فلقد وقف أمثال الأساتذة أبي الأعلى المودودي، والدكتور عبد الله العربي، والدكتور محمود حسب الله، والأستاذ مصطفى الزرقا، والدكتور علي حسين عبد القادر، والدكتور محمد البهي، والمرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز موقف كبار الأساتذة الاختصاصيين الذين يستفيد منهم المستشرقون وغيرهم في المسائل المعروضة للبحث، وكان في المؤتمر بعض الشبان الأغرار الذين لا يزالون ينتظرون إلى المستشرقين نظرة القديس، ويشعرون أمامهم بالصغار لضالة حظهم من الثقافة الإسلامية، ويقلدونهم ويتبعونهم في كثير من أرائهم الخاطئة.

والغريب أن يصف كاتب المقال المستشرقين بدقة البحث والإخلاص للحق والحرص على الجوهري، في حين أن هؤلاء من عمد إلى تركيز وتوجيه خبيثين، فزعم أن الوحدة بين الأقطار الإسلامية مفقودة، وأن المفارقات بينهم والخصائص الإقليمية والقومية أكثر وأغلب من الخصائص والصفات المشتركة بغية تمزيق الشعور المشترك بين أجزاء العالم الإسلامي، وهذا هو الأستاذ (فون كرونيباوم) المستشرق الأمريكي اليهودي.

ومنهم من قال بعدم وجود «فن إسلامي» ومنهم من قال أن الشعر الإسلامي ولد في ظلال لعنات القرآن، وإن مرد الشعر الذي هو مزيج من الدعارة والدين إلى الشعر القديم، ومنهم من خلط خلطا عجيبا في موضوع الاجتهاد والسنة يدل على نقص كبير في الإطلاع على الموضوع. والغريب أن أكثر هؤلاء من المستشرقين أنفسهم إن لم أقل كلهم رجع عن رأيه بعد النقد أو عدله واعتذر عنه أو أوضحه إيضاحا يزيل ما فيه من انحراف أو سوء فهم، وأن يبقى أمثال السيد محجوب مدافعا عنهم بما لم يدافعوا به هم عن أنفسهم، وإن يكون متعصبا لهم ولآرائهم الخاطئة والطاعنة في الإسلام وتاريخه أو في المسلمين.

ولقد شهدت بعيني أحد هؤلاء المستشرقين يتبع الأستاذ مصطفى الزرقا ويطلب إليه أن يوضح له بحث الاجتهاد، ويعتذر عما بدر منه من تصور في معالجة البحث الذي ألقاه في هذا الموضوع.

إن هذا الكتيب ابن ميلاد المعجب بالمستشرقين والأمريكيين والباحثين من اليهود، هو نفسه الذي يتطاول على العالم الإسلامي المنتج الأستاذ محمد أبو زهرة، ويلقبه مستهزئا (بالفقيه المصري) لأنه ممن ثاروا على قلة الأدب التي صدرت من ابن ميلاد بحق أعضاء المؤتمر، وطالبوا بحسب كلمته.

لقد صنف الكاتب في مقاله المشاركين في المؤتمر أصنافا ثلاثة أحدها يمثل «العقول التي هي من عهد الإفلاس» على حد تعبيره، وثانيها «العقول التي هي من العهد الجديد» ويضع نفسه طبعا في هذا الصنف ولو خجل من التصريح، وثالثها العقول المخضرمة التي وصفها بالحيرة والنفاق والجبن.

وليسمح لي صاحب المقال أن أقدم تصنيفا آخر للمساهمين في المؤتمر: ففريق كان يمثل الفكر الإسلامي الحديث وعيا وعمقا، وذلك الذي يجمع بين فهم الإسلام في جذوره واتجاهاته العميقة الأصلية ومناهج البحث الحديث والقدرة على عرض المشكلات على صعيد فكري عال وبمقاييس يستطيع الغربي فهمها وإدراكها، وفريق آخر كان عاديا في تفكيره لا يخرج عن المعروف المألوف في عرضه وبحثه للموضوعات لكنه حين لم يكن عميقا أو مبدعا في بحثه لم يكن كذلك شاذا أو منحرفا، وفريق ثالث سطحي مقلد لا يزال يشعر بالهوان والاستصغار لنفسه ولامته وتاريخه، وبالتقديس لكل ما يصدر عن الغرب ولو كان في الإسلام وتاريخه وإنكار للنبوة والوحي أو دس على تاريخ الأمة العربية والحضارة الإسلامية أو إنكار لصلاح الإسلام للحياة، وقد مثل هذا الفريق فئة من المنتسبين إلى الإسلام، ومنهم صاحب المقال، وشاب باكستاني مدفوع من قبل بعض المستشرقين، اسمه (داود رهبر) أنكر الوحي وأدعى أن الرسول صلوات الله عليه لم يأت بعد الوحي بشيء لم يكن يعرفه قبل الوحي، وأتى بآراء كانت مثارا للنقد الشديد والاستنكار من جمهرة الحاضرين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٤٧