دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 .................... ص 67
مطالعات وآراء
ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث
تفضل الأستاذ السيد عبد الله كون فأهدانا نسخة من ((ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث)) وقد قام الأستاذ كنون بتحقيق في الديوان وكتابة مقدمته، ووضع فهارسه.
وتحقيق الكتب عمل منهجي علمي معقد، قد لا تقل المجهودات التي يقتضيها عن مجهودات التأليف، إن لم تتجاوزها في بعض الأحيان.
والأستاذ كنون بإخراجه لهذا الديوان بضيف مفخرة أخرى إلى مفاخره الكثيرة في خدمة تاريخ الأدب المغربي والأندلسي؛ وإذا كان هذا الديوان من نظم شاعر أندلسي ملك، فإن قيمته بالنسبة لتاريخ المغرب ولتاريخ الأدب المغربي، لا تقل عن قيمته كعمل أدبي، يستحق ـ في حد ذاته ـ أن تبذل من أجل إخراجه المجهودات وأن تتحمل المشاق، ذلك لأن تاريخ المغرب والأندلس، وتاريخ الأدب المغربي والأندلس يرتبطان في أغلب ظروفها ارتباطا عميقا، وتشبيك العلاقات بينهما وتتداخل، بشكل قل أن نجد له نظيرا بين أي قطرين آخرين.
والواقع أن كثيرا من الحقائق التاريخية التي نعرفها الآن عن الغرب وعن أدبه، يرجع الفضل فيها إلى كتب أندلسية، أو كتب قصد بها التاريخ للأندلس والأدب الأندلسي.
والديوان الذي بين أيدينا، تمثل جملة من قصائده نوع العلاقات التي كانت تربط الدولة الأندلسية بالدولة المغربية في هذه الحقبة الغامضة من تاريخ القطرين معا، بل تصور لنا تطور هذه العلاقات بين ملك غرناطة في ذلك الوقت يوسف الثالث صاحب الديوان، وبين الملك المغربي المعاصر له أبي سعيد عثمان المريني الأصغر، أو (صاحب فاس) كما يصر على أن يدعوه صاحب الديوان ولهذا الديوان قصة، فقد ظل مجهولا إلى أن عثر على نسخة منه بناحية سوس الأستاذ عبد الله كنون في سنة 1369 هجرية بمراكش ـ وكان إذ ذاك لا يزال مقيما ـ أهداه هذه النسخة، (رجاء القيام بنشرها وتقديمها إلى العالم العربي طرفة أدبية يعزلها الكفاء، لأنها على ما يظن صديقنا لا ثاني لها في العالم، فله شكرنا وشكر المهتمين بأحياء تراث العرب في الشرق والغرب)) كما ورد في المقدمة التي كتبها للديوان الأستاذ عبد الله كنون.
ولم يكن في نسخة الديوان المخطوطة إلا عيب واحد، هو فقد صفحتها الأولى، التي كان محتملا أن تكون مشتملة على اسم صاحب الديوان، أنه ملك من ملوك غرناطة، وإن اسمه يوسف، ولكن البحث الذي قام به الأستاذ كنون في الموضوع، والذي شرح جزء منه في مقدمته أداه إلى معرفة صاحب الديوان، وهو (يوسف الثالث حفيد الغني بالله، وهو الثالث عشر من ملوك بني الأحمر النصريين أصحاب غرناطة) وقد استمر في الحكم، على ما يرجحه محقق الديوان، من سنة 1407 إلى سنة 1417 في فترة غامضة جدا من تاريخ الأندلس.
وفيما عدا الصفحة الأولى من مخطوطة الديوان، فقد وجد كاملا، وقد نقل الأستاذ كنون صورة فوتوغرافية من إحدى صفحاته لتقديم نموذج من خطه المغربي الأندلسي، ومن هذه الصورة يبدو أن النسخة مكتوبة بعناية كبيرة وبخط جميل واضح، مما يرجح لدى محقق الديوان إنها ((نسخة ملوكية)) على حد تعبيره.
والحقيقة أن المقدمة التي كتبها الأستاذ كنون للديوان تلقي عليه كثيرا من الضوء، وإن كنا نصطدم في هذه المقدمة بعبارة لا نستطيع أن نتجاوزها دون أن نشير إليها.