إن اخترت لك أحسن ما في القصيدة لا دلل على جودتها، فستختار لي أنت أقل أبياتها لتدلل على رداءتها، وكلا العملين مرفوض في النقد الأدبي الصحيح.
ومهما يكن، فأنا لست بصدد نقد القصيدة وإنما بصدد نقد الكلام الذي كتبته أنت عنها.
لقد تحدثنا كثيرا (حول) شاعرية الحلوي، ولكننا لم نتحدث حتى الآن عن الشاعرية نفسها، على أن الحديث في هذا الموضوع لا ينبغي أن يقحم اقتحاما في غيره، وإنما ينبغي أن يتناول بالتفصيل في حديث مستقل.
والحلوي شاعر تقليدي كغيره من الشعراء التقليديين الذين تعود النقاد أن يضربوا لهم مثلا شعراء العصر الحديث بشوقي، وحافظ، وإسماعيل صبري.
ولن يضر الحلوي أن يكون شاعرا تقليديا، فهو حر في اختياره لمذهبه، وإن كنا لا نرى المسألة مسألة اختيار.
المهم أن الحلوي في مذهبه ليس شاعرا مختلفا، وأكاد أعتقد أنه لو وضع بين أيدينا شعره كاملا، وتمكنا من دراسته، لربما كان في الإمكان أن نخرج منه بنتيجة تضع الحلوي في مكان مرموق بين جميع الشعراء التقليديين. أما قبل ذلك فإن كل حكم على شاعرية الحلوي سيكون جزافا، بدون استناد على أي أساس صحيح معلوم.
نعم، لقد تناول الأستاذ عبد الكريم غلاب في نقده الذي كتبه في العدد الماضي من مجلة دعوة الحق قصيدة ((ملك ونصر)) للحلوي، فلم يحاول أن يعمم النتيجة التي خرج بها من هذه القصيدة على شعر الحلوي كله، وإنما ظل يتكلم عن رواية في القصيدة نفسها وقال في الموضوع كلاما تغلب عليه الروية والاتزان وإمعان الفكر، وكان كلام الأستاذ غلاب قصيرا موجزا، يخصص لهذه القصيدة أكثر من فقرتين.
وليس الذي يهم هنا هو مدى صحة رأي الناقد في الشاعر، وإنما الذي يهم، أن يكون الناقد أمينا فيما يفعله، وأن يحاسب نفسه على كل كلمة يخطها، وأن يكون صادقا في التعبير عن ذوقه وإحساسه ومعرفته وذلك كله يبدو واضحا وضوحا كبير في كلام الأستاذ غلاب.
دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 .................... ص 63
ابن سلام الحجي في طبقات الشعراء
ابن سلام: أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن سالم الجمحي البصري، ولد بالبصرة (139 هـ)، وتوفي ببغداد (232). نشأ في بيت علم ذائع الصيت، فأبوه سلام بن عبيد الله الجمحي روى عنه ـ في أكثر من موضع ـ في كتاب «الطبقات»، وأخوه عبد الرحمن الجمحي كان أحد رواة الحديث، ومن تلامذته مسلم وأبو زرعة وأبو حاتم.
تنعته كتب التراجم بالإخباري والرواية، وتنص على أنه كان من أعيان أهل الأدب، يقول عنه ياقوت في المعجم «كان لمحمد بن سلام علم بالشعر والأخبار وهما من جملة الأدب» أما النحاة اللغويون فيعدونه منهم، في الطبقة الخامسة من علماء البصرة.
جمع الأستاذ محمود محمد شاكر ـ محقق الطبقات ـ شيوخه الذين ذكرهم في الكتاب نفسه، فبلغوا السبعين، وكان منهم أبو زيد الأنصاري والأصمعي وخلف الأحمر وأبو عبيدة ويونس ابن حبيب وبشار بن برد.
أما تلامذته الذين رووا عنه فمنهم أحمد بن يحي ثعلب، وأبو حاتم السجستاني، والرياشي، والمازني، وأحمد بن حنبل وابنه عبد الله، وأبو العباس أحمد بن علي الأبار، وأبو خليفة الجمحي، ومحمد بن حاتم الزمي، والزيادي، وآخرون غير هؤلاء .. مما يدل عظيم منزلته، وأهمية الدور الذي قام به في كل من البصرة وبغداد لفائدة الأدب والعلم بهما على السواء.
لم تدل بلد من البلدان على أن الحياة العقلية لأمة ما شديدة التأثر بالأوضاع الاجتماعية والسياسية لهذه الأمة مرتبطة بها متفاعلة معها كما دلت على ذلك العراق في توديعها للحكم الأموي، واستقبالها العهد العباسي الجديد .. فقد كان من آثار رجحان كفة