إن ليلة كاملة قد لا تكفي في قراءة نص أدبي واحد، واستجلاء أسراره، والبحث عن مواطن القوة والضعف فيه.
وقراءة النصوص الأدبية، تعتبر اليوم علما له مناهجه المرسومة المحدودة، وسواء أفلحت هذه المناهج في رسم الطريق لفهم النصوص أو لم تفلح، فإن الإطلاع عليها يعلمنا على الأقل، أن نحترم النص الأدبي، وأن نروض أنفسنا على الصبر في البحث عن خفاياه.
نعم، قد يقبل من القارئ أو المستمع العادي أن يصدر حكمه ارتجالا، أما الناقد الذي ينصب من نفسه حكما ـ إذا سلمنا أن من حق الناقد أن يحكم ـ فإن عليه أن يتريث كثيرا، وأن يسمح لنفسه بالوقت الكافي لتمثيل الأثر الأدبي، وللخروج منه بأشياء كثيرة، إليها، وذلك لأن الخلق الأدبي تصطحبه حالة انفعالية فيها شيء غير قليل من اللاشعور. وعملية النقد الواعية، التي يعتبر التحليل من أهم عناصرها، وهي المسؤولة عن الكشف عن أغوار نفس الشاعر أو الكاتب، وتسليط الضوء عليها، وذلك من خلال النص نفسه. ومن ثم فإن المجهود الذي يكلفه فهم نص وتحليله ونقده، قد يزيد عن المجهود المبذول في إنتاج هذا النص.
أرأيت يا حضرة الأستاذ (هو) أن ((ليلة كاملة)) لم تكن لتكيفك للخروج ((برأي صحيح)) في ((تحية)) الحلوي وحدها، فضلا عن أن تكفيك للخروج ((بآراء صحيحة)) في نقد أزيد مائة من الصفحات.
ومع ذلك، فلنقف معك قليلا عند ((رأيك الصحيح)) في (تحية) الحلوي، فهذه القصيدة في رأيك: (جافة) هذا كل ما استطعت أن تصفها به، ولم تزد على ذلك إلا أن حاولت التدليل على هذا (الجفاف) بمقارنتها بمقطوعة (تطوان) للحلوي أيضا، والمنشودة في نفس العدد الذي تناولته بالنقد أو التعقيب.
ولكي تخرج من الورطة هربت إلى التنكيت، فسقت عبارة طه حسين التي قالها عند القصيدة و الموجودة في المقدمة المكتوبة لها، وهي أنه لم يسمع مثل هذا الذي سمعه في المشرق ولا في المغرب، وكتبت بين قوسين ((والفاهم يفهم)).
وأظن أن القراء جميعا كانوا عن حسن ظنك، ففهموا ما تعني، ولكنهم كانوا جميعا عند سوء ظنك من جهة أخرى، فلم يوافقوك على هذا الذي تعنيه، فقد بلغني أن غير واحد منهم قد نبهك إلى الشطط الواضح في فقدك لهذه القصيدة.
أما أنا فلا أرى شططا ولا قصدا، لأنني لا أرى نقدا أصفه بشيء من ذلك، وإنما أرى كلاما عاما سريعا ((مخطوفا)) خاليا من كل معنى، مكتوبا بلا روية ولا تفكير، ولعله ليس أخطر من ذلك على الأعمال الفكرية والأدبية إلا سوء النية، وهو ما لا أتهمك به، وإن كنت لا أبرئ منه أناسا آخرين!!
وقصيدة الحلوي لم تبلغ من الروعة ما وصفه بها الدكتور طه حسين، وإن كنا قد قرأناها نحن مكتوبة على الورق، وسمعها طه حسين تلقى في حفل، ولعل الاستجابة لها والتأثر بها أن تكون مختلفة كثيرا بين الذين سمعوها والذين قرؤوها.
وأذكر بهذه المناسبة أنني قرأت كلاما بهذا المعنى فيما يتعلق بالشاعر المصري المرحوم حافظ إبراهيم، فقد كان آية في جودة الإلقاء، وكان الناس يسمعون إلى قصيدته يلقيها هو، فيبلغ بهم الإعجاب بها منتهاه، فإذا قرءوها بعد ذلك مكتوبة في صفحة، وجدوها دون ذلك بكثير.
ومهما يكن ففي كلام طه حسين مبالغة ربما استدعتها المجاملة، ولكن المبالغة ليس معناها أبدا أن طه حسين لم يسمع قط أردا من هذا الشعر، كما حاولت أن تفهمها بعبارتك التي هربت فيها إلى التنكيت والأمثال العامة الدارجة.
وأمامك القصيدة، وفي استطاعتك أن تعود إليها مرة أخرى وتقرأها قراءة تذوق وفهم، وأؤكد لك أنك إن فعلت، لعدلت من حكمه، ولحاولت أن تبحث عن كلمة أخرى تصفها بها غير كلمة ((الجفاف)).
أما أنا فلا أجد في هذه القصيدة إلا تعبيرا صادقا أمينا عن العواطف التي أ|حملها لطه حسين، والتي يحملها له آلاف المعجبين به كل البلاد العربية ولست أدري ماذا يستطيع إنسان أن يقول في حفلة تكريم أكثر أو أحسن مما قاله الحلوي في هذه القصيدة.
لن أحاول أن أختار لك أبياتا من (تحية) الحلوي، أدلل بها صحة ما أقول، فإن آفة نقد العمل الأدبي، هي الحديث عن بعض أجزائه دون بعض. وأنا أعلم أنني