تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا فقد كان رد الفعل الإنساني حتميا وحاسما، ولم يكن ـ على التحديد ـ متجسدا في الوعيد السوفياني، أو متجسما في طبيعة الموقف الأمريكي غير التضامني، بل ولا في صرامة المبادرات الأممية داخل مجلس الأمن أو المنتظم العام لهيئة الأمم المتحدة، إلى غير ذلك من العوامل المفردة، لقد كان مظهره المبدع هو ذلك الاجتماع الشامل الذي ضم بين شعوب الأرض على استهجان ومناوأة روح التحكم المجرد، وتحكيم طرائف العنف، مما كان يمثل جليا في مختلف مراحل الهجوم الثنائي المشترك على التراب المصري

لم يكن على المتحالفين أن يواجهوا دولة بعينها أو تكتلا دوليا معينا، بل كان عليهم أن يجابهوا كل الإنسانية الواعية الصاحية المتحفزة، كان عليهم أن يقاوموا كل طاقات النضال المتركزة في الضمير الإنساني العام، كان عليهم أن يجابهوا تلك الحقيقة الكامنة في نفسية الإنسان، والتي لم تسهم فوادح الدهر إلا في بلورتها وتركيزها، تلك هي شعور الأفراد والجماعات بالعداء السافر غير المقيد لكل مظاهر الاغتصاب والسيطرة، وخاصة إذا كانت تتشح بالرداء الذي اكتست به غداة انهيال المظليين من قبرص على تراب الجمهورية المصرية. لم يكن أفراد المقاومة الشعبية في بور سعيد إذن إلا طلائع الكفاح الذي كان على الشعوب متجمعة أن تخوضه حفاظا على تراث الإنسانية الخلقي ورصيدها من القيم المعنوية العليا، لهذا فقد كان أساسيا أن يجد العراك حدا نهائيا له أبواب القناة، فقد كان لطبيعة الحملة التحكمية وصبغتها القسرية، أبعد الأثر في تحديد مصيرها وتوجيه نتائجها توجها معاكسا، فليس من العسير إذن التأكد بأنها كانت ـ منذ البداية ـ تحمل في ثناياها العناصر الكفيلة بتدميرها والحيلولة بينها وبين أن تستنفذ أغراضها الجهوية الأولى، وأهم هذه العناصر أنها كادت ـ لو تم النجاح المفروض لها ـ إن تخلق على الصعيد الدولي أوضاعا غريبة ناشزة، وسوابق خطيرة ليس للجو السياسي الدولي المترع بالإمكانيات الانفجارية المهولة، قبل بتحمل نتائجها ومغباتها.

فقد حدت العقلية التوسعية التي لا تزال لها جذور متأصلة غي أذهان المهاجمين، إلى انتهاج خطة الاستيلاء بالقوة، وفرض الأوضاع المرغوب فيها بالوسائل المباشرة التي تستمد ديناميتها من أصول العسف والقسر وهذا النهج من العمل السياسي وإن كان مألوفا في الظروف السياسية المعاصرة بالنسبة للجماعات المغلوبة على أمرها، فإنه يكاد يكون شذوذا نابيا بالقياس للوحدات المستقلة في المجموعة الدولية، وهذا ما تم في الواقع نتيجة الهجوم المثلث على مصر، فقد روع الضمير العالمي أن تجرؤ الديمقراطيات الغربية على إعادة تمثيل المسرحيات المؤسية التي مهدت لقيام الحرب العالمية الثانية، حيث اندفع المتهوسون بسحر النظريات السلالية والجنسية، وذوو المر اغب التوسعية والإستراتيجية، وأصحاب الاحتكارات الاقتصادية الكبرى، في غمار خصم من المجازفات الدولية والمخاطرات المسرحية المباغتة، ثم بلغت سلسلة المآسي المروعة التي انبثقت عن نظريات الاستيلاء العنيف أوجها، عندما انتصبت «إسرائيل» لمساندة الوجود التوسعي الغربي في الشرق الأدنى، وصد التيارات السياسية والفكرية والاجتماعية، تلك التي تحول بينه وبين البقاء والاستمرار.

وقد تطورت بعد كل ذلك الأجواء الدولية حول «العدوان» فأضحى الرأي العام العالمي في مجموعه على درجة من التحرر في التفكير، إلى القدر الذي أصبح معه الكيان الإسرائيلي وهو يكاد يبدو ـ في بعض الحدود ـ نشازا نابيا في الأعراف الدولية والمفاهيم الإنسانية العامة، وقد أتى على كل ذلك حين من الدهر بات الكثيرون يحسبون فيه مبدأ السيطرة عن طريق الإرغام قد أصبح من مختلفات الماضي، فساعد ذلك على تحسين مركز الشعوب الصغيرة في الحقل الدولي، كما حفز الدول الكبرى إلى تلمس أسباب أخرى غير الحرب، لتحقيق وجودها الإمبراطوري المتداعي، وخالها المفكرون سأعتمد خطوة لا بأس بها نحو القضاء على الحرب وأسبابها، وسبيلا إلى عالم أفضل يسوده مبدأ التحكيم في المنازعات، والفصل في القضايا المتضاربة بالوسائل السلمية، ولكن هذه الآمال ما لبثت أن تبخرت بصورة مسرحية غداة أن أقدم الحليفان الغربيان على إرسال النداء الغريب، بوجوب استسلام القوات المصرية المدافعة أمام جيش الغزو الإسرائيلي، وسأعتمد أمكن للكثيرين ممن كان يتوفر لديهم رصيد كبير من التفاؤل وحسن النية، أن يقتنعوا أخيرا بأن فكرة التعايش المسالم لم يتح لها أن تختمر بعد أذهان الدول الكبرى، وإنها لهذه العلة لا تعدو أن تكون حلما جميلا يداعب خيالات الشعوب الصغيرة التي ترغب أبدا في إحاطة نفسها بجو من الأمن والطمأنينة والاستقرار ومن هنا كان مبعث هذا العمق في التأثير الذي خلقه الحادث في مختلف الكتل الشعبية في العالم، وكان رد الفعل بالتالي ـ كما أمكن تسجيله ـ عنيفا وشديدا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٧٩