تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبثق عن تحضيراتهم الهجوية، مما يتساوق ومقدار النضج الفكري والإنساني، الذي بلغته الجماهير في مختلف أجزاء المسكونة. لم يكونوا يحذرون أنهم سيواجهون بكل هذه الموجه الطاغية من الامتعاض والاستهجان، بعد أن طوحت بهم الحوادث في تلك المتاهة المريعة التي أضحوا معها يعيشون في عزلة دولية رهيبة، لم يسلف لواحد منهم أن عرف عديلا لها منذ أمد بعيد.

ولعلهم أيضا لم يكونوا يتصورون أن تفاعلات الأتون الذي أوقدوا شرارته الأولى، سيكون لها كل هذه الانعكاسات القوية على سير الحياة العامة في البلاد المهاجمة نفسها، حيث عادت القوانين التقتيرية لتعدل منسوب الاستهلاك عند الجماهير في الغرب، ولتذكر الملأ أيضا بصور الحياة القائمة للحرب العالمية الثانية.

أقوى الظن أنهم لم يكونوا يقدرون أن ذيول الحملة ستكون من هذا الصنف، وإلا فلم يكن من المستساغ مطلقا أن تجد خططهم حدا نهائيا لها على أبواب بور سعيد، فيما كان مبتغاهم الرئيسي في قصر الجمهورية بالقاهرة المعزية!!

إن القصة الآن قد غدت من صميم الماضي، ولكن العبر التي يمكن أن توحيها للأجيال ليس لها من نهاية، فقد أمكن للتضامن بين الشعب المصري وبين شعوب العالم، إن صانعي المأساة ما لبثوا بعد قليل أن بدؤوا يواجهون مصيرهم السياسي المنتظر، فلا «أيدن» بعد الآن ولا «هايد» بل إن المحافظين ككتلة سياسية ما عتموا إن بدؤوا يفقدون ذلك التماسك الذي كانوا يستمدون منه هيبتهم السياسية والحزبية، أما الانتصارات التي أمكنهم تحقيقها للإمبراطورية في مدى سنين الحرب الأخيرة، فقد أضحت ألوانا باهتة أمام الهزيمة السياسية والدبلوماسية التي أصابوا بها إشعاع المملكة المتحدة التوسعي، لهذا فيبدو أن وجودهم في دست الحكم لم يعد إلا قضية اعتبارات زمنية ليس من شأنها أن تبيح لهم البقاء في «دوننج ستريت» أمد طويلا.

أما على الطرف الجنوبي من «المانش» فلم يكن مصير المسؤولين عن الحملة بأحسن كثيرا من ذلك الذي كان نصيب «الايدينية» في لندن، فعلى الرغم من أن وزارة «مولي» قد تسير لها أن تحتفظ بالبقاء بضعة أشهر أخرى بعد الانسحاب عن بورسعيد، فإنها ما لبثت بعد ذلك أن هوت تحت تأثير العواصف السياسية التي عفت عليها أخيرا في 21 مايو 1957 أي بما يناهز قليلا الستة أشهر من نشوب العراك في القنال

ولقد كان لسياسة «مولي» المالية وارتباطاتها بعمليات الإبادة في الجزائر، تأثير مباشر في فصم وحدة الأغلبية البرلمانية التي كانت تستند حكومته، ولكن يتبدى من استقراء الوقائع واستقصاء الظواهر السياسية العامة، إن اندحار القوات المتحالفة في السويس، كان له آثار بعيدة في نشوء كثير من الحالات النفسانية، وردود الفعل البرلمانية، التي كان لها اتصال وثيق بانهيار الحكومة الفرنسية ذات القيادة الاشتراكية في أواخر ربيع السنة المنصرمة، فالواقع أن غلاة السيطرة في باريس كانوا يضعون هناك دوما خطأ رابطا بين الوضع المتفجر في الجزائر، وبين التدفقات القومية العربية التي مصدرها القاهرة، فقد كانت (بعثة السويس) في اعتبار المنطق اليميني المغالي، جزءا متمما لعمليات «التهدئة» المنصب لهيبها على الشعب العربي في الجزائر، وكانت نتائجها المعكوسة بالتالي تشكل عند تقدير الكثيرين منهم اندحارا مريعا في الصراع مع الوحدات المقاتلة لجبهة التحرير.

ولكن المركبات النفسية، الكمالية منها والنقيصة، تلك التي تتحكم في تشكيل نوعية التفكير ومناهجه عند التوسعيين الفرنسيين، لم يكن من شأنها أن تبيح لهم الطفرة في الإجهاز على الجهاز الحكومي المتداعي الذي خلقته حوادث السويس مجسما في الحكومة الاشتراكية الدانية إلى الأفول. وكان يوم 21 مايو 1957 مناسبة عابرة فقط للإعفاء على ذلك الضرب الفريد من «المولية» بعد أن سجلت إخافتها الحتمي في بور سعيد وعلى ضفاف القنال.

ويطالعنا الآن نوفمبر مرة أخرى، فإذا المفاهيم الكريمة التي تنزلت حفاظا عليها دماء طلائع الكفاح العربي في بور سعيد، تزداد تركزا وتبلورا في أذهان القوات الشعبية العالمية، وتصبح أساسا لكثير من الحقائق التي غدت تحدد سير الأحداث في عالمنا الحاضر، وترسم اتجاهها الحتمي، فقد كان الأمر ـ منذ البداية ـ يتصل جوهريا بالمبادئ والقيم الخيرة التي تواضع الإنسان باعتباره إنسانا، على أن يحتفظ لها، إلا في الظروف الشاذة، بقسط واف من الاعتبار، وقد اقترف المسؤولون في «الفورين أوفيس وألكي دورسي» خطيئة المس بهذه المبادئ والقيم غداة الانطلاق من قبرص للانقضاض على الساحل العربي، وذلك بصورة فلما نجد لها معادلا تاما في عالم ما بعد الحرب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٧٨