وأبي السيد الحلوي إلا أن يعيب علينا انتقادنا إياه في قوله:
ارمها يا فتى الجزائر نارا
تسكن الداعر الأثيم الرجاما
حيث لاحظنا هذا الاختلال في المقابلة بين الداعر وهو مفرد، والرجام وهو جمع، وإنا أتقبل سلفا كل ما استدل به في هذا المقام من شعر ونثر، وإن كنت لا استخفه، حاشا ما ورد في القرآن الكريم، إلا أنني أعود فأسأله: أمن البلاغة أن تقول مثلا: فلان ما أطيب نفوسه ن وأرق قلوبه، أو فلان سكن منازل ودخل حجرات، تريد سكن منزلا ودخل حجرة؟.
وفي هذا البيت:
فأسق أرضا قد كان قلبك أجد
اد سقوها دماءهم أن تضاما
لا حظنا إن فيه حذفا وتقديرا، ما كان أغنى الشاعر عنهما، ولكنه يجيب على هذه الملاحظة بان في البيت حذفا كاد يكون من المتعين، لأن المحذوف حرف، لو ذكر لكان داخلا على مثله، ودخول الحرف على مثله مستثقل، ونحن نوافقه على هذه القاعدة، ولكننا لا نشاطره الرأي أبدا في أن المحذوف في البيت حرف كما زعم، وإن الأصل .. «سقوها دماءهم من أن. تضاما»، لأن البيت خال من أي متعلق يناسب هذا المحذوف ن وإنما الأصل في رأينا «مخافة أن تضاما» أو ما أشبه ذلك .. فالبيت إذن يجري على سنن الأمثلة التي ساقها في الموضوع.
بقي ما يتعلق بأمر العروض، وهنا أجاهر الأخ الحلوي ـ ولا أهمس في أذنه كما فعلت قبل ـ بأنه لا زحاف الخبن والطي ولا التشعيب بكاف لتضميد الرضوض العقيمة التي كانت بمثابة البثور في وجه الحسناء، ولا أقول كالملح في الطعام كما عبر السيد المعقب.
وبقطع النظر عن البيت الذي أدرج في عداد الأبيات المكسورة نتيجة مطبعي. فإن بقية الأبيات الأخرى، وعدتها خمسة، متصدعة بشكل لا يقبل أي جدال بالرغم عن تأكيدات الشاعر. وخذ مثلا البيت الذي اختاره المعقب ليظهر سلامته من الكسر وهو:
أرسلي النظرة الحنون شواظا
يتنزى ويزدري الأعجاما
فإنه لم يفطن فيه إلى موضع الكسر الذي أردناه، بل ظنه شيئا آخر أجهد نفسه في دفعة بما سماه التشعيث ن وبالتنظير له بييت من الشعر، والذي لاحظناه في بيت الشاعر هو هذه الياء في «أرسلي» التي لا يستقيم الوزن إلا بحذفها، وحذفها لا يجوز قطعا طالما أن الخطاب لمؤنثة، وأظن أن ميزاننا الخائب ـ كما لذ للسيد المعقب أن ينعته ـ يستطيع أن يضع يد الشاعر ـ متى أراد ـ على موضع الكسر في كل بيت بيت، والعجب كل العجب أن يجرؤ الأخ الحلوي على أن يؤكد للقارئ سلامة الأبيات المكسورة وجريانها على تفاعيل الخفيف، وهو لا يملك القدرة على أن يدفع عن أي واحد منها ما مني به من عطب.
وأخيرا أؤكد للأخ الحلوي ـ إن كان في حاجة إلى تأكيدي ـ أن قصيدته ـ باستثناء ما أصيب به بعض أبياتها من كسر ـ وهذا لا يغتفر ـ صورة شعرية حية، ترسم في دقة وإتقان المأساة الجزائرية كما ينبغي أن يرسمها قلم شاعر.