تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبول التسليم العسكري المعجل من جانب القوات العسكرية، وفي مدى ثلاثة اشهر يمكن تنظيم عمليات انتخابية «حرة» تستهدف التعرف على اتجاهات الشعب الجزائري، ورأيه في شكل النظام الذي يختاره

ولم يكن أمام الجانب الجزائري إلا أن يقابل هذه العروض بالرفض البات، لأنها لم تكن تشكل إلا أساسا للتهافت على حل رخيص وغير هادف، ويبدوا أن الاعتراضات الجزائرية كانت تتركز بالنسبة لهذا الموضوع في النقط التالية:

1) الشك في سلامة الجو السياسي الذي يتم فيه الاقتراع.

2) التأثير الذي قد يحدثه على سير العمليات الانتخابية وجود قوات احتلالية ضخمة في مجموع مناطق البلاد.

3) إصرار السلطات الفرنسية على رفض أي لون من الإشراف الخارجي.

على أن الأمور قد تطورت بعد ذلك تطورا جوهريا، فقد غدا من الجائز الآن أن يتم انعقاد اجتماع ثنائي بين ممثلي الفريقين المتحاربين، كما أصبح أيضا من الممكن أن يقع تنظيم هذا الاجتماع في باريس نفسها، بيد أن هذه النقطة بالذات أصبحت في الوضع الراهن وهي تكاد تشكل موطنا بارزا من مواطن الخلاف، فالجزائريون يتقبلون مبدأ الاجتماع، إلا أنهم كما يلوح لا يدركون مفهوما لان يعقد بالضبط في العاصمة الفرنسية دون غيرها، سيما وليس هناك من ضروريات مادية أو معنوية تستوجب ذلك. وقد قال وزير الأنباء الجزائري في هذا الصدد: «إن إجراء المفاوضات غير المقيدة بشرط سابق بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية- على أن تتم في بلد محايد- هو الحل الوحيد الممكن، وهو المفتاح الذي يعتبر السبيل لإقرار السلام بالجزائر .... »

على أن قضية اختبار «المكان» الملائم لانعقاد الاجتماع ليست- في جوهر الأمر - العقبة الأساسية والوحيدة في طريق التفاهم والتقارب، فالأمر أيضا يرتبط بالمبدأ السياسي والقانوني للمشكلة، وبالتالي فانه يتصل -مبدئيا- بالصفة الشرعية التي يقوم عليها الاعتبار السياسي والقانوني للمفاوضين الجزائريين، وذلك ما لا يجرؤ الكثير من المسؤولين الفرنسيين على الاعتراف به، والعمل بمقتضياته، بل أن هناك من المواقف الرسمية في باريس ما يكاد يحصر موضوع الخلاف حول هذه النقطة المبدئية البديهة، ولهذا فإن القادة الجزائريين لا يبدو أنهم ير ون ضرورة لتفاوض من أي صنف، ما لم يتجه التفكير سلفا إلى اعتبار الأمر كمشكلة سياسية متميزة لها صبغتها القانونية الشرعية.

غير أن حكومة السيد عباس لا تجعل - مع ذلك - للاشتراطات المسبقة سلطانا على عقد المؤتمر، فلم يعد هناك اقتضاء للعمل على تحديد جدول اشتغال معين، كما أن التصريح المسبق بالاستقلال لم يعد تمت ما يجعله أساسا لإمكانية انعقاد الاجتماع، إلا أن المسيرين الجزائريين لا يلوح أنهم يستسيغون قبول تحديدات فرنسية سابقة، إلا في حالة ما إذا لم تكن تكتسي صبغة فرض أو إلزام، وإلا فإن المؤتمر في تلك الحالة سوف لا يكون لانعقاده أي موجب معقول.

وقد عبر عن هذه المقتضيات السيد رئيس الحكومة الجزائرية، وذلك حينما أشار في حديث صحفي له إلى «أن الحكومة الجزائرية ترحب بكل البوادر الكفيلة بإنهاء الصراع في الجزائر على أساس احترام المبادئ التي افتقدها الكثيرون من الجزائريين بأرواحهم وبدمائهم ... »

كما عبر عنها كاتب الدولة الجزائرية وذلك عندما أعلن إلى مراسل وكالة (بيلكا) «أن المفاوضات لا يجوز أن تستهدف فقط العمل على وقف إطلاق النار، بل يتعين أن ترمي إلى تسوية عامة لمجموع جوانب المشكلة ... »

ولكن ما هو السبيل الذي يمكن أن يؤدي عمليا - إلى التسوية المتوخاة؟.

لقد كانت الأسابيع الأخيرة مجالا لتردد الشائعات حول مشروع حل جزائري، يستهدف التوصل إلى هذه الغاية بالذات، وهذا المشروع يعكس - في عمومه - ميلا واضحا إلى جانب التوسط والاعتدال، وهو لذلك يتقارب في بعض المبادرات الفرنسية السابقة، تلك التي كانت ترمي إلى حل المشكلة على أساس «تحرري» متسامح، وإذا ما تأكدت نسبة المشروع إلى المصادر الوطنية الجزائرية - وهذا ما لا أرجحه كثيرا - فإنه سيكون - ولا شك - تعبيرا واضحا عن أكثر وجهات النظر السياسية اعتدالا وتساهلا وتسامحا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٩٧