كتب الفلاسفة من قوم اليونان وبلوغ العرب الغاية التي يرمونها من علم أو أدب أو صناعة في أقصر مدة من الزمن تم يأتي الكلام عن الطب والأطباء والنجامة وعلم الأفلاك ثم الحديث وعلوم الشرع ثم تدوين اللغة ثم الشعر في البداوة والحضارة ثم الغناء وتحريره وإصلاحه ثم لمعة في علوم الفلسفة عند العرب وتنتهي الرسالة بالكلام عن السير والحكايات وفيه ثناء جميل على كتاب كليلة ودمنة ونظرة في كتاب ألف ليلة وليلة وتعريبه عن الفارسية، وتدوين الأخبار وأيام الناس.
الرسالة الثامنة كتبت في بحر تونس سنة 186هـ- 802م، بعد انصراف الرحالة من بلاد الروم، ذكر فيها الرحالة ألطاف الرشيد إلى قيصر الروم وأنه هو الذي حمل الرسالة، وبلغه ما يريد الرشيد من موافقته على بني أمية لينتزع الأندلس من أيديهم.
ثم ذكر مروره بالكوفة وبلاد الشام ووصف دمشق بأنها بهجة البلدان ثم أتى بنتف من أخبار بني أمية حدث بها مغنية كانت للوليد بن يزيد (126هـ 744م)، ثم يذكر زيارته لجامع الوليد المعروف بالجامع الأموي ومروره ببعلبك مع وصف لها وأنها من آثار الروم لا من بناء سليمان ثم ركوبه البحر من بيروت وتنتهي هذه الرسالة بذكر لقائه للقيصر (شارلمان) مع بيان عادات الفرنج واندثار علومهم في ذلك الوقت إلا ما حفظه الرهبان في ديورتهم وذكر أن خاطر القيصر يتوافق مع خاطر جعفر البرمكي في العدول عن مناجزة الأمويين.
الرسالة التاسعة، كتبها في المشاعر المباركة سنة 186هـ - 802م، ذكر فيها مروره بتونس من بلاد المغرب، وخبر الاغالبة واستقواء أهل البيت في المغرب (الادارسة)، ثم يتكلم عن الإسكندرية ومصر والنيل والأهرام ثم يصل سفره إلى البلد الحرام فيصف مكة المكرمة فمناء فالمدينة المنورة، وتنتهي هذه الرسالة بالكلام عن الرشيد والبرامكة فيذكر تحول الرشيد على البرامكة بحيلة الفضل بن الربيع الذي أوغر صدر الخليفة عليهم من العداوة.
الرسالة العاشرة، كتبت في بغداد سنة 187هـ 803م، وفيها يصف الرحالة رجوعه متخفيا إلى بغداد، وقتل جعفر البرمكي وطلب الرشيد الرحالة لينكب به، ثم يذكر الرحالة ما دار على السنة الناس من سبب نكبة البرامكة وأن خبر العباسة أخت الرشيد مع جعفر لا صحة له، ويذكر انه ما نكب البرامكة إلا ميلهم مع أهل البيت.
ثم في الأخير يأتي خاتمة الكتاب، يختم الرحالة حديثه بنظرة عامة في الإسلام وانحيازه إلى دول ثلاث كبيرة «العلوية والعباسية والأموية»، ثم ينظر في أحوال العباسيين ويذكر حيلهم ومكايدهم إلى خلافة الرشيد ويقول أن دولتهم تحتاج إلى رجال عقلاء يديرون سياستها ويدبرون أمرها، وأنها إذا سقطت في يد خليفة قليل الخبرة بأمور الملك لا تقوم لها قائمة بعد ذلك.
*
إن هانري بيريس يلاحظ على جميل نخلة مدور إهماله للمراجع الأجنبية في تأليف كتابه واكتفى بالمراجع الإسلامية فقط التي «أسند إليها رواية الرحالة» وهذه المراجع معظمها مطبوع أما في الشرق أو في أوروبا، فنجد مثلا مطبوعات باريس، وروما، وكوتننجين، وبون، وليدن، ولايبزيك، ولندن، وأكسفورد، أما المطبوعات الشرقية فأغلبها وارد من مطابع بولاق سوى بعض النسخ طبعت في القسطنطينية.
ويستعرب المستشرق من هذا الإهمال حيث أن الكاتب العربي كان يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية ولم يستعن بهما في تأليفه المذكور، ففي الوصف الذي يقدمه عن الشرق من جميع نواحيه أجاد فيه وأتقن عمله، ونسق جميع معلوماته التي استقاها من المراجع العربية المختلفة تنسيقا بارعا واضحا لخبرته وإلمامه بطريقة التأليف، ولكنه حين يتكلم عن مدينتي مرسيليا وروما يرتكب أخطاء يرجع السبب فيها إلى عدم مراجعته للكتب الأجنبية واعتماده بالخصوص على كتاب «تقويم البلدان» لأبي الفداء طبعة باريس سنة 1940م)، أما معلوماته حول إمبراطورية شارلمان التي أوردها في مؤلفه فقد اقتبسها من السيوطي، وابن خلدون، والمسعودي، والمارودي، والابشيهي وابن عون.
ولهذا فلا يمكننا أن نعد كتاب جميل مدور من القصص، لان حوادث العقدة القصصية غير موجودة فيه، فهو قبل كل شيء عبارة عن أخبار وحوادث تعرض أمامنا بحذق بارع.