علم ذلك منهم قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس همنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدبره فقيه معتبر لمن اذكر، وعلم لمن رأى يعين فؤاده واستبصر.
ولهجرة النبي وأصحابه معنى خاص قد يغاير كثيرا معنى الهجرة اللغوي الظاهر من هذا اللفظ الذي هو انتقال من مكان استقرار إلى مثوى استقرار آخر، اعتبارا للظروف التي أحاطت بهذه الهجرة، والمبادئ التي حملت المومنين الصادقين عليها، والعصبية التي دفعت المشركين إلى شدة إذابة المسلمين حتى أخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
فهجرة الناس كثيرا ما تكون إلى المصالح الدنيوية مثل التجارة أو الزواج أو الحرث وانتجاع المراعي وما يدخل في هذه الأبواب، أما الهجرة إلى الله ورسالة لتقوية جانب المومنين المدافعين عن دين الله، ولنصرة الرسول الأكرم، ولتلقي مبادئ الإسلام وشرائعه من النبي أو من يقوم مقامه في تبيين دعوة الحق، وللرغبة في إقامة الشعائر الدينية في موطن آمن بكل حرية - ولو كلفت تلك الهجرة ترك الديار والأموال ومفارقة العشيرة في أصعب الأحوال - فلما مغزى خاص واعتبار في حقيقة صدق الأيمان، وقد أشار النبي عليه السلام إلى هذا المعنى الجليل، والقصد النبيل، ففرق بين الهجرة لطلب المصالح الدنيوية، والهجرة لنصرة المبادئ والزهد في المصالح المادية، حيث قال الرسول (ص) في الحديث الصحيح: من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (أي من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا، فهجرته إلى الله ورسوله مثوبة وأجرا): ثم قال: ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هجر إليه.
وقد نوه القرآن بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار اعتبارا ببيع أنفسهم لله والرغبة الصادقة في نصرة مبادئ دينه وطاعة أوامره واجتناب نواهيه مع الزهد في كل ما يملك من أثاث ومال صامت وناطق، فهذه الروح التي رفعت قدر المهاجرين إلى عليين، وسجلت أعمالهم المثالية في سجل الأبطال الخالدين يجب أن تبقى حية في قلب كل مومن تحدوه إلى هجر كل قبيح مثلما يدعوه الإسلام إلى عدم تلويح لسانه ويده بمس عرض أي مسلم، أو بدنه بسوء، صيانة للإخوة الإسلامية من خدش كرامتها أو تخيم ديباجتها بمكروه من قول أو عمل، فالكف عن جميع المكروهات مما توحي به الهجرة والإسلام معا، ولهذا الجانب الخاص راعى الرسول العظيم عليه السلام حيث قرن بين المسلم والمهاجر توجيها لهما للمعنى الأليق بهما فقال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
وللهجرة أحكام خاصة، حيث كانت واجبة في حالة القدرة عليها أو عدم التمكن من إقامة الدين بسبب فتنة المشركين للمسلمين عن إقامة دينهم بحرية تامة، ولكن حين فتحت مكة وعز الإسلام بدخول الناس في دين الله أفواجا قال الرسول الأكرم عليه السلام: ذلك الحديث المشهور: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، واذا استنفرتكم فانفروا، قال الحافظ بن حجر معلقا على هذا الحديث الصحيح لا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد، فمن به من المسلمين احد ثلاثة: الأول قادر على الهجرة منه لا يمكنه إظهار دينه به ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكن يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم. والثالث عاجز بعذر من اسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فان حمل على نفسه وتكلف الخروج منه اجر.
وجعل الشيخ رشيد رضى في تفسيره السبب الثاني المتعلق بهجرة الفرد هو مشروعية الهجرة للتفقه في دين، فلا يجوز لمن اسلم في مكان ليس فيه علماء يعرفون أحكام الدين أو يقيم فيه بل يجب أن يهاجر إلى حيث يتلقى الدين والعلم.
ثم قال وأما السبب الثالث المتعلق بجماعة المسلمين فهو انه يجب على مجموع المسلمين أن تكون لهم جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته وتحمي دعاته وأهله من بغي الباغين وعدوان العادين، وظلم الظالمين، فإذا كانت هذه الجماعة أو الدولة أو الحكومة ضعيفة