كان المقال بجملة حربا على الإلحاد والمروق في الوقت الذي تناطح فيه أمتنا حملة الحادية بشعة مكشوفة في بعض بقاعها، وتواجه في بقاع أخرى حملة سلاحها الدس ورمى معتقداتنا بالرجعية والتحجر، والغاية في كلا الحالتين واحدة وهي تنفيرنا من معتقداتنا لنصبح من الميوعة بحيث يسهل عليهم الكيد بنا. ونحن بالفعل لا يمكن أن نتمشى مع تقدمية ديننا إلا إذا استلهمنا روح المبادئ والتطور في الإسلام، وعزفنا عن التقييد بالقشور المصطنعة، وعدنا إلى روح الدين الذي يفتح باب التصرف الفكري الوجداني على مصراعيه، ديننا متطور ومتجدد ولكنا بلينا بمن (فقدوا اتصالهم العميق الجوهري بالماضي وبقي اتصالهم بالسطح والقشور) وأصبح أبناؤنا حيارى بين هؤلاء وبين (المتمركسين). وجاءت محاولة السيد التازي في وقتها، فيشكر عليها.
ثم يأتي دور كاتب من عرب العراق ليتكلم عن عرب المغرب وعن (عروبة البربر) وفي البحرين، وليس أحب إلى النفس من أن يكتب عرب الشرق عن عرب المغرب وبالعكس، يكتبون كل ما من شأنه أن يعيد العرب " عربا" لا " عربيين" كما خرف المستعمرون.
وأثار (الأستاذ محفوظ شقرون) موضوعا غاية في الأهمية هو (القومية والفعل) كانت المقدمة موفقة، وكذلك حالفه التوفيق عندما بين أثر الاستعمار في تدمير القوميات، خاصة في إفريقيا وآسيا ليستأثر هو بخيراتها، وأعجبني في منطقه عندما ناقش فلاسفة الاستعمار في نظرتهم إلى القوميات، ثم حوم الكاتب حول كون القومية تأبى إلا أن تكون حرة وهي من أجل هذا تعلنها حربا مقدسة.
ولكن ما يؤخذ على الكاتب أنه فصل معركة المغرب العربي عن معركة القومية العربية، أو على الأقل فهو لم يظهر الترابط الكائن، ومما زاد الطين بلة أنه استعمل ألفاظا من شأنها أن تشير من قريب أو بعيد إلى أن كاتبها يؤمن ب (قومية تونسية) و (قومية جزائرية) و (قومية مغربية) وكأنه يريد أن يجزأ النضال الواحد، كأن الكاتب قد غاب عن ذهنه أن الاستعمار عندما يرى أن القومية تثور لتتحرر " كلها" يجمع قواه ليجزئ النضال الواحد بالإيهام وبالتضليل، كما فعل تماما وما زال يفعل مع القومية العربية التي لوت ذيله هنا وهناك، فأخذ يستنجد (بقومية سورية) وأخرى (مصرية فرعونية) وأخرى. . وأخرى. . وبين الحين والحين يعانق هذا الاستعمار خصومه الماركسيين ويهتف معهم (لا قومية ولا هم يحزنون)، فنحن إذن يا أخي يجب أن لا نصدق ما زعموه، ولا أن نستعمل ألفاظا في خدمته " ولو عن حسن نية منا".
أن هذه الكيانات التي أقامها الاستعمار في وطننا قد تعددت بما فيه الكفاية، ولكننا نرى أن الحدود قد بدأت تنهار عندما تنبه الشعب العربي إلى أن (العرب أمة واحدة) وعندما أضاف الشعب العربي إلى تعاريف الفلاسفة في القومية تعريفا نابعا من قلبه هو أن (القومية حب قبل كل شئ).
ثم حدثنا الأستاذ (ابن تويت) عن " سحر القافية" ويسرده الجميل وأتباعه طريقة (الأمثلة والاستنتاج) جعلنا نؤمن معه بأن (بين الحروف انسيابا وقرا يات) ولا بأس في أن يوضع القريب مع القريب والنسيب مع النسيب طالما كل ذلك خادما للفكرة.
ثم يعود إلينا (العلامة عميد الجامعة) ليتكلم عن (برجسون) وفلسفته المنادية ببعث الروح وعدم الاستلام للطغيان المادي، ونحن بدورنا كقراء يهمن جدا أن نفتح أبوابنا ليدخل الهواء الطلق حاملا أفكارا تناسبنا كأفكار (برجسون)، ولكن الخوف يخالطنا عندما نحتفل أسبوعا لإحياء ذكرى مفكر أجنبي في فترة كادت فئة منا أن تفقد الثقة بنفسها وبقدرتها، بحيث أصبحت تتخيل أن كل عظيم نابع من عند غيرنا ونحن في مرحلة نعمل فيها على استرداد الثقة بالنفس، ومما يزيد ثقتنا في أنفسنا وفي عقائدنا أن أمتنا هي صاحبة معظم أفكار برجسون وقبل أن يتوصل إليها برجسون، بل عشنا التجربة نفسها فكنا نسمو يوم كانت تسمو الأرواح منا وكنا نتهافت يوم كانت تصاب الروح بالزيف.
واقفز بالقارئ إلى ما كتب عن الجزائر في هذا العدد. . . أنها " ضريبة الدم" على دعوة الحق. . . انه باب النضال الحقيقي. . . انه باب البطولة التي علمت الإنسان ما معنى البطولة. . . إنها قضيتنا. . . إنها نحن بدمنا وبلحمنا. . . بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. . . وكل ما يكتب عن الجزائر يعيد إلينا كعرب ثقتنا بأمتنا العظيمة، ونحن نعتبر أن مجلتنا " دعوة الحق" قد قامت بواجبها لا أكثر ولا أقل.