تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معجزة القرآن الكريم الكبرى. وعلى المؤلف هنا ملاحظتان: الأولى أن الظاهر من كلام ابن رشد أن الكتب السماوية تشترك في وضع الشرائع ولكن القرآن يفضلها بكثرة التشريع فإنه قال في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة: إن كان فعل الأنبياء الذين هم به أنبياء إنما هو وضع الشرائع بوحي من الله تعالى على ما تقرر الأمر في ذلك من الجميع أعني القائلين بالشرائع بوجود الأنبياء صلوات الله عليهم، فإنه إذا نؤمل ما تضمنه الكتاب العزيز من الشرائع المفيد للعلم والعمل المفيدين للسعادة مع ما تضمنه سائر الكتب والشرائع وجدت تفضل في هذا المعنى سائر الشرائع بمقدار غير مثناه انتهى بنصه.

والملاحظة الثانية أن تعرض الكتب السماوية الأخرى للأحكام المنصوص في كتاب الله كما قال تعالى (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم به النبيئون) وقال تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) الآية. فلو فرضنا أن ابن رشد قال ذلك لكان هذا القول الصادر منه مردودا عليه بنص القرآن.

سادسا: تعرض المؤلف لتعريف السنة ودورها في التشريع وكونها عمدة في بيان مقاصد الشريعة فذكر أنها في الاصطلاح الشرعي العمل المشروع، وفي الاصطلاح عند فقهاء الشافعية ما كان نقلا عنه صلى الله عليهم وسلم، وفي اصطلاح المالكية ما أمر به عليه السلام وواظب عليه وأظهره ولم يوجبه هذا زيادة على ما عند الأصوليين من أنها أقوال النبي وأفعاله وتقريرا ته. ولم بين المؤلف أين تلتقي هذه الأقوال وأين تختلف وما هو الصحيح من هذه التعاريف مع أن التعاريف الثلاثة متفقة في المعنى ماعدا تعريف المالكية، فإذا كانت السنة في الاصطلاح الشرعي هي العمل المشروع، فإن أفعال النبي وأقواله وتقريرا ته تعطي للعمل صفة المشروعية، وكذلك ما نقل عن النبي عليه السلام، لأن هذا المنقول إما قول أو فعل أو تقري لأنه عام غير مقيد بواحد من الأنواع الثلاثة. أما تعريف المالكية للسنة بأنها ما أمر به النبي وواظب عليه وأظهره ولم يوجبه، فهذا التعريف فيه قيود زائدة يرد بها المالكية بعض السنة القولية والفعلية والتقريرية إذا لم يصدر بها أمر ولم تقع عليها المواظبة: وغرض المالكية بذلك التوصل إلى صفة المشروعية لعمل أهل المدينة، إذا تعارضت فيها أحاديث واردة عن الرسول، حيث يقولون: إن هذا صحبه العمل وهذا لم يصحبه العمل، وهذا هو المقصود من ذكر المواظبة في تعريف السنة عند المالكية، مع أن الحق أنه يكفي صدور القول من الرسول لتعطى العمل صفة المشروعية والسنية فكان من المناسب للمؤلف الذي يحدد المقاصد العليا للتشريع أن يتعرض لهذا.

ومما يلاحظ على المؤلف بصفة عامة أنه ينقل أحيانا عن كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي الصفحة وأكثر ـــ وأن كان يخلل نقله بحذف بعض الجمل ــ ولكنه لا يشير إلى هذا النقل مطلقا، فمثلا نجد في كتاب الفكر السامي غوائل الاختصار وتاريخ ابتدائه س 219 هـ.

ونجد في كتاب مؤلفنا تاريخ التشريع الإسلامي صحيفة 119 فصلا بعنوان الاختصار والشرح، وقد نقل في هذا الفصل أكثر من صفحة من كتاب الفكر دون أن يشير إليه أدنى إشارة.

وكذلك فعل المؤلف لما تكلم على دخول المذهب الظاهري للمغرب فإنه نقل جميع الأفكار المسجلة في كتاب الفكر السامي من غير أن يشير إلى الكتاب، والأولى بالباحث المنصف أن يشير إلى النقل الواقع بهذه الصفة وليس بذلك بعيب في كتاب جامع لعدة محاضرات فاختيار المرء قطعة من عقله كما يقولون ويكفي هذا الاختيار الممتاز هنا.

وأخيرا نعيد تهنئة المؤلف على إنتاجه القيم وندعو الله أن يوفقه وأمثاله من العلماء المتفننين لمواصلة الإنتاج العلمي حتى تزدهر المعارف في المغرب ويسد الفراغ الفكري وتمتلئ المكتبة العلمية والأدبية المغربية بأنفس المؤلفات والدواوين.

دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 ص 68

الجاحظ في مخطوط فريد

البرص والعرجان

بقلم: عبد الهادي التازي

بالرغم من أن " دعوة الحق" قد خصصت هذه الضلوع لمطاعة ما يجد من كتب وما يفاجئ القراء من آراء حديثة، فإنني مع هذا أختار أن أتناول هنا بالحديث كتابا يرجع تأليفه إلى أوائل القرن الثالث الهجري فيما يظهر، ودون ما أن أطيل على القراء بالتقديمات فسأنتقل بهم إلى هذا الكتاب الذي نخرته الأرض وكادت أن تأتي عليه الأيام، هو كتاب للإمام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ غير رسالة التربيع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٤٣