تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جريا على قاعدة تقديم الأهم فالأهم افتتحت الدروس في جامع مولاي سليمان بالكلام على ما يعتبره عامة المسلمين عماد الدين أعني الصلاة وخلاصة ما قلته في هذا الموضوع أن الصلاة التي نحن مأمورون بها هي في أصلها من مشمولات العبادة العامة التي افترضها الخالق على كافة المخلوقات علويها وسفليها سواء في ذلك النجوم في أفلاكها والحيتان في مسابحها كما أفصحت الآيات: ولله يسجد من في السموات وما في الأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ــ ألم ترى أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه". " والنجم والشجر يسجدان ــ وأن من شيء إلا يسبح بحمده".

فإذا كان هذا الانقياد وهذا الخضوع هما القانون العام لجميع الكائنات فيما بينها وبين خالقها أفلا يحق لابن أدم مسجود الملائكة أن يكون من أول الممتثلين لهذا القانون ــ أمام ما يتصاعد من الأرض إلى السماء من الأزجال والأناشيد في التسبيح للرب وتمجيده أفلا يحق للخليل بن أحمد الواضع للأبحر والأوزان أن يكون رئيس هذه الفرقة الموسيقية ــ أليس من الغبن مكي لا يطوف بالبيت وجزار يأكل لحم الميت ــ إن شر الدواب عند الله الصم البكم. ومن البديهيات أن من شذ وتمرد كان من الطبيعي أن يجري عليه بوجه استثنائي حكم المتمرد الخارج عن الطاعة وكيف لا يعامل معاملة استثنائية من نبذ وراء ظهره فرضا جاء ذكره في الكتاب ما لا يقل عن ثمانين مرة فلو كان هناك نوع آخر من أنواع الطاعة اشرف منه لتعبد به سبحانه ملائكته المقربين ولكنه ارتضى منهم ما ارتضاه من عموم مخلوقاته اعني السجود: " إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون لا يكلون ولا يملون ــ يسبحون الليل والنهار لا يفترون" وجامعة الجوامع لكل ما سردته من الآيات نجدها في قوله تقدست أسماؤه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ــ لذلك كان من الطبيعي أن يعاقب تارك فريضة بهذه الأهمية بمثل ما أنذرت به الآيات: " كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين بتقديم الصلاة في بيان الأسباب التي استوجبوا بها ما استوجبوا ــ وقال في سورة القلم: " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا (في الدنيا) يدعون إلى السجود وهم سالمون" أزيد على ما تقدم وإن كان المقام في غنى عن كل زيادة أن الصلاة لعظم قدرها أوجبها سبحانه على العباد في جميع الأحوال رجالا أو ركبانا في حالة الأمن وفي حالة الخوف في الجفاف وفي الخضخاض في الصحة وفي المرض يؤدنها ولو بالإشارة بل وحتى في حالة الحرب والملحمة على الأبواب: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم. . . آيات بينات كما ترى تسترعي من الناس البال إلى أنه لأمر ما جعل الشرع الصلاة والزكاة شرطا لصحة الإسلام وأخوة الدين: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين". ولأمر ما كذلك يقول الرسول عليه السلام: بين الرجل والكفر ترك الصلاة على خلاف ما عليه الحال في الحج فإن وجوبه موقوف على الاستطاعة والصوم فإنه يسقط بالسفر وصلاة الجمعة فإن إلى جانبها أعذارا ترخص استبدالها بصلاة الظهر وأما الصلاة فإنها لا يسقط وجوبها وقضاؤها إلا مع عدم ماء وصعيد كما نص عليه خليل: " وسقطت صلاة وقضاؤها مع عدم ماء وصعيد" نعم هناك صلاة وصلاة. أن الصلاة التي يكرر القرآن المطالبة بها لا تحقق بأداء أفعالها وأقوالها فقط وإن جاء بها المصلي تامة على الوجه الذي يذكره الفقهاء لأن ما يذكرونه هو صورة الصلاة وهيئتها إنما القصد من شرعيتها هو ملاحظة ذلك السر والمغزى الذي تصدر عنه آثارها من النهي عن الفحشاء والمنكر وقلب الطباع السقيمة واستعاضتها بالغرائز المستقيمة: " إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلون الذين هم على صلاتهم دائمون". فمن حافظ على الصلاة الحقيقية تطهرت نفسه من الهلع والجزع إذا مسه الشر ومن البخل والإمساك إذا مسه الخير وكان شجاعا في الحق كريما قوي العزيمة لا يرضى بالضيم ولا يخشى في الحق العذل واللوم لأنه بمراقبته لله تعالى في صلاته واستشعاره عظمته وسلطانه الأعلى في ركوعه وسجوده يكون الله تعالى غالبا على أمره مهيمنا على ما يخطر فلا يبالي بما لقي من الشدائد في سبيله ويما انفق ابتغاء مرضاته ومن المعلوم أن مجرد صورة الصلاة لا يعطي شيئا من هذه المعاني وإنما القصد من شرعيتها هو التذكير بذلك السناء الإلهي والاستعانة بها على توجيه القلب إليه. (نقلا في هذا الفصل من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٨٧