المادية، وحاجاتها المعقدة، وتفاهتها التي يبلغ من تعلق الناس بها ــ بحكم العادة وتحكم الأنانية ــ أن يقطعوا من أجلها أرحامهم، وأن يملئوا قلوبهم على بعضهم بالضغينة والحقد والكراهية!!
إنها رحلة إلى الله يتجرد فيه الإنسان من كل شيء حتى من ثيابه الأنيقة التي ألف أن يشغل بها جزءا من وقته وتفكيره واهتمامه، ويقبل على ربه بسيطا متواضعا كما ينبغي للعبد أن يكون في حضرة مولاه، عاريا إلا مما يستره في غير كلفة أو إسراف، متحللا من جميع القيود المصطنعة التي ألف الناس أن يتقلوا بها كواهلهم، مخلفا ورائه اللقب الكبير والوظيفة السامية والمركز المحترم، ضائعا في غمرة الزحام، فردا من الناس، من هؤلاء الناس العراة إلا مما يسترهم في غير كلفة أو إسراف، لا تميز فيهم غنيا من فقير، ولا تعرف فيهم أميرا من مأمور، ولا شريفا من مشروف، كلهم أمام الله سواء. أن أكرمكم عند الله أتقاكم".
*
نعم! أن أعمال الجوارح المفروضة في الدين جزء من العبادة لا تتم إلا بها، وللحج أركان وواجبات لابد من أدائها على الوجه المطلوب طاعة لله وامتثالا لأوامره، ومع ذلك، فإن أعمال الجوارح هذه لن يكون لها من النفح إلا بمقدار ما تكون ترجمانا صادقا عما يعمر القلب من الإيمان بالله والإقبال عليه والإخلاص في طاعته وعبادته، والسعي فيما ينفع المسلمين ويبعد الأذى عنهم ويحقق إرادة الله في نصرهم ورفع كلمتهم وتحقيق رغبتهم في الحياة الحرة الكريمة المحترمة.
والحج بعد ذلك كله، هو الفريضة الدينية الواحدة في الإسلام التي لا تؤدى إلا في أمكنة معينة، يجب أن يومها المسلمون الذين يرغبون في تأدية هذه الفريضة من حيثما كانوا على وجه الأرض، في أقصى شرقها أو غربها.
لماذا؟
"ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات"
ومهما قيل في تفسير هذه المنافع فإنها في القرآن مطلقة غير مقيدة، وهي كثيرة من غير شك، وأن يكن من أبرزها فيما يتعلق بالمنفعة العامة للمجتمع الإسلامي، أن الحج في واقعه وبطبيعته مؤتمر سنوي للمسلمين يتعارفون فيه، ويتعرفون على مشاكلهم وآلامهم وآمالهم، ويتبادلون الرأي والنصيحة والمعرفة.
وليس من الإلزام لكي يكون هذا المؤتمر السنوي كامل النفع والفائدة، أن ينظم كما تنظم المؤتمرات اليوم، وأن تنصب فيه السرادفات وتقام المهرجانات وتنصب المنابر للخطباء ليتباروا في إظهار فصاحتهم وقدرتهم على الكلام وانتزاع التصفيق والإعجاب، ثم ليتقدم المنظمون للمؤتمر والمشرفون عليه بمقررات يصادق عليها بالإجماع لتنسى بعد ذلك؛ وإنما يكفي لكي يكون الحج مؤتمرا سنويا حقيقيا أن يقبل عليه كل مسلم، وفي قرارة نفسه انه مقبل ــ فيما هو مقبل عليه ــ على مؤتمر إسلامي، سيتاح له فيه أن يرى إخوانه من مختلف الجنسيات والأقطار والألوان واللغات واللهجات، وأن يكون رهن إشارتهم ليزودهم بكل ما قد يحتاجون إلى معرفته عن بلاده، وليعرف منهم هو بدوره كل ما يحتاج إلى معرفته عن بلادهم جميعا. ومع المعرفة تتوثق الروابط والصلات، ويزداد الشعور بالأخوة والتضامن، وتتضح المشاكل وتقترح الحلول.
ولا شك أن أكبر مشكلة يعانيها العالم الإسلامي في حاضره، وتحتاج أكثر من غيرها للفت الأنظار إليها وحمل الناس على الاهتمام بها والإحساس بخطرها والتبشير بأنها منتصرة لا محالة، هي قضية الكفاح من أجل الحرية، وضد الاستعمار البغيض في أي شكل من أشكاله أو لون من ألوانه، سواء كان شرقيا أو غربيا، وسواء كانت وسيلته هي الحديد والنار والمغالطة والمنطق المزيف، أو كانت وسيلته هي التبشير بنظام في الحياة بعينه، ومحاولة حمل الناس على اعتناقه، والكيد لهم في بلادهم إذا ما رفضوه أو ثاروا عليه.
وليس هناك من شك أيضا في أن أكبر مثال لقضية الحرية في العالم الإسلامي اليوم، هي قضية الجزائر المجاهدة، الجزائر التي يستهدف فيها الإسلام والمسلمون لأحط ضروب المكر والتأمر والعنف والقسوة والخديعة. فما أحرى المسلمون جميعا في مؤتمرهم السنوي هذا في موسم الحج أن يجعلوا قضية الجزائر قضيتهم الكبرى جميعا، وأن يولوها عنايتهم وتفكيرهم واهتمامهم، وما أحرى وفود الحجيج الواردة على الحرمين الشريفين من المغرب وتونس على الخصوص أن يكونوا لسان قضية الجزائر الناطق ودعاتها الذين