دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 80
العدد الماضي في الميزان
الأستاذ: إدريس الكتاني
كانت افتتاحية العدد الماضي "رمضان كريم" تذكيرا جامعا بدرس من دروس الإسلام الإنسانية والاجتماعية والخلقية والوطنية، التي طالبنا بأن نخصص أنفسنا لممارستها خلال هذا الشهر الكريم من كل عام، لكي نجدد فطرتنا الإنسانية من الصدأ والتعفن اللذين يغطيان صفائها وإشراقها طوال الأحد عشر شهرا الأخرى، تماما مثلما تحتاج كل آلة ميكانيكية الى «عملية تزييت وتنظيف» دورية، وفي الكلمة اقتراح جدير باهتمام الحكومة، يطالب بفرض ضريبة خاصة على جميع المواد الكمالية، لتمويل إسعاف منظم مستمر، يهدف القضاء نهائيا على ظاهرة التسول، الذي هو في رأيي اكبر سبة تطعن في دولة متحضرة في إنسانيتها، قبل أن تطعنها في ديمقراطيتها الاجتماعية، ورغم ذلك فاني اعتقد بأن مثل هذا الاقتراح سوف يتكرر في رمضان المقبل، ورمضانيات التي تليه، دون أن يفكر فيه احد، وسيظل آلاف الجياع يتضورون جوعا أمامنا، ويتمسحون على الأعتاب كل يوم، يحطم الجوع كرامتهم، ويحطم الشبع إنسانيتنا الى أن يشاء الله، ولكني ارجوا أن تخيب ظنوني في أقرب الآجال.
وتشير الكلمة في حسرة الى هذا الصراع الذي يعيش فيه المغرب، والذي كان من واجب الصحافة الوطنية أن تتحاشاه في رمضان، وان لم تتخذ منه فرصة لمراجعة مواقفها. وهذا الموضوع على درجة كبيرة من الخطورة بالنسبة لمستقبل المغرب.
والسؤال الذي نواجهه اليوم هو: هل من الضروري أن يجتاز المغرب جميع المراحل التي مرت بها الأقطار العربية الشقيقة ليصل الى نفس النتائج التي وصلت إليها اليوم؟!
وأول مقال يواجهنا بعد هذه الكلمة القيمة هو "الإسلام ونظرية جيسل" حول التداول النقدي للزعيم علال الفاسي، وهو يعالج موضوعا من موضوعات الساعة، وما أحوجنا الى المزيد من دراسته وتحليله، بمثل هذه الروح، وذلك التوجيه. لقد اتخذ المغرب في يناير الماضي قرارا بفصل فرنكه عن الفرنك الفرنسي
وهنا برز السؤال: من أين تأتي القوة الشرائية لعملة ما؟ أمن الرصيد الذهبي؟ أم من العمل والإنتاج المستمر؟ أن جيسل يؤكد أن هذه القوة كامنة في المبالغ المتداولة من النقد، ولذلك تجب مراقبة هذا التداول لضمان استمراره. كما يجب فرض ضريبة على كل نقد "مختزن" لم ينتقل من يد صاحبه ليد غيره، حتى لا تتكدس الأحوال، ويتوقف استعمالها في الإنتاج.
والأستاذ علال الفاسي عندما يقارن بين نظرية جيسل الحديثة، والمبدأ الاقتصادي الإسلامي الذي حرم الربا، وفرض الزكاة على الأحوال المدخرة، لمنع احتكارها وكنزها، وهي نفس الأهداف التي يرمي إليها جيسل بتقرير مذهبه - إنما يذكر المسؤولين عن الاقتصاد المغربي بضرورة انتهاج سياسة اقتصادية موجهة وثورية أن اقتضى الحال، في حدود مبادئ الدين الإسلامي والمصالح القومية العليا.
ثم تقرأ «الإسعاف في نظر الإسلام» للأستاذ عبد الله كنون لتزداد يقينا بالمثل الإنسانية العليا لدعوة الحق التي هي دعوة الإسلام، والأستاذ عبد الله كنون من العلماء القليلين الذين يحتاج مغرب اليوم الى تفكيرهم وأقلامهم للدعوة والتوجيه وعلاج المشاكل الاجتماعية بروح إسلامية وقومية جريئة. لقد تحدث عن رحمة الله بعباده كمقدمة لموضوع المقال. والأساليب الحديثة تتحاشى المقدمات لان القراء يتضايقون منها ويفضلون الدخول في الموضوعات توا، إننا في عصر السرعة وتركيز الأفكار. وبعد أن أعطى الأستاذ كنون صورة حية لإنسانية الإسلام وعدالته الاقتصادية، أورد من الأحاديث ما هو صريح في "الاشتراكية التعاونية الإسلامية" في الطعام والشراب واللباس والسكنى والمركب، ولكن الأستاذ كنون لم يسمها باسمها السياسي الجديد، ولم يقل أن تفريطنا في "اشتراكيتنا الإسلامية" دفع أجيالنا الحديثة التي تجهلها الى انتحال "الاشتراكية الشيوعية" بماديتها المفرطة وإلحادها، إنني أريد من أخي الأستاذ كنون أن يجهر بدعوة الحق باللغة السياسية الجديدة التي يفهمها الجيل الجديد، وانه لأهل لذلك.
وتقرأ بعد ذلك حديثنا دينيا عن حكمة الصيام، والغرض الذي يهدف إليه الإسلام في تشريعه بعنوان: