فإذا أردنا أن نتعرض للجانب الشكلي لما لدينا من إنتاج هذه الطائفة، فإننا دون ريب نحس بتفاوت شعرائها واختلافهم في عمق الأصالة الشعرية، فبينما نراك تنساق مع بعضهم في نغم جميل، وبينما نقف عند بعضهم على محاولات التجديد، أن في المعنى أو المبنى، إذ بك تحس عند بعضهم شيئا من الجفاف والتعثر ولعل الدكتور أبو شادي "كان يقصد أمثال هؤلاء عندما قال: "وشتان ما بين ما كنا نقرأه من نظم مرصوف كان ينعت ظلما بالشعر، وبين ما ننعم به الآن من روائع جذابة في الشعر المغربي".
ولعلنا مطالبون بالوقوف طويلا عند قطاعة مهمة، لعلها تمثل أنشط فترة عرفها الشعر المغربي الحديث من الفترات التي حددناها سابقا وذلك لعاملين مهمين، أولهما تنظيم الحركة الوطنية، وسنها لاجتماعيات وحفلات دينية ووطنية كعيد الهجرة، وعيد المولد النبوي، وعيد العرش، وقد ساعدت هذه الحفلات وأمثالها على ظهور شعراء ناشئين اطلعوا على الإنتاج الأدبي الذي تحفل به مجلات الشرق الواردة على المغرب، كالهلال، والحديقة، والرسالة، والثقافة، والامالي، والمجلة الشعرية "ابولو".
والواقع أن هذه الحفلات وأمثالها كانت تمثل مظهرا أدبيا نشيطا ووطنيا في نفس الوقت، واليها كذلك يعود الفضل في إذكاء الحماس الوطني في نفوس كثير من المواطنين، وبث الوعي الأدبي في الناشئة المغربية.
اما العمل الثاني فيتمثل في ظهور صحف ومجلات أخرى ساعدت هي الأخرى على ظهور هذه الناشئة بما كانت تنشره لهم من قصائد في مختلف المناسبات الدينية والوطنية وغيرها، فبعد مجلة السلام التي احتجبت بعد صدور عددها الثامن حوالي مايو 1934 ظهرت مجلات كالثقافة المغربية التي أصدرها المرحوم سعيد حجي حوالي غشت 1941، ورسالة المغرب التي أصدرها الفقيه محمد غازي سنة 1942، وجريدة العلم، والمعرفة، والأنيس، والعلوم والفنون، بالشمال وغيرها مما غاب عني منها أو لم اطلع عليه؛ وفي هذه المجلات عرفنا شعراء كالحلوى، وعبد الكريم التواتي، وعبد القادر حسن، وإدريس الكتاني، وحماد العراقي، والمرحوم احمد لحلو، وعبد الغني سكيرج، وأبو بكر اللمتوني، وعبد الواحد السلمي، واحمد البقالي، وعبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم ابن ثابت، وعلال الهاشمي الفيلالي وغيرهم.
لكن هذه القطاعة لم تسلم من المثبطات والعوائق، فكثيرا ما كان يجن جنون الاستعمار فيشدد الخناق على الوطنيين الأحرار ويلقي بهم في السجون أو أقصى المنافي، وضمنهم القائمون بتلك الصحف والمجلات، ففي سنة 1944 بعد تقديم عريضة الاستقلال التاريخية توقفت مجلتنا "رسالة المغرب" و "الثقافة المغربية" إلى أن عادتا إلى الظهور في سنة 1947 بعد الإفراج عن الزعماء الوطنيين بما يقرب من سنة، ولم تحتجب "رسالة المغرب" نهائيا إلا بعد العيد الفضي للعرش المغربي، اما "الثقافة" فقد احتجبت قبل ذلك بأعوام.
ولنتساءل الآن عن مميزات هذه القطاعة النشيطة أن ابرز الظواهر التي تثير انتباهنا فيها: 1) حوليات عيد العرش 2) التأثر بالمدرسة الابتداعية بالشرق 3) ظهور النزعة الذاتية أو مسحة الضياع كما يسميها الأستاذ محمود أمين العالم 4) ظهور نقاد يعنون بدراسة الإنتاج المغربي والتعليق عليه. 5) ظهور الرواية الشعرية لأول مرة في الشعر المغربي. وسيسعنا أن نحلل كل ظاهرة على حدة.
لقد كان عيد العرش -وما يزال- مظاهرة وطنية كبرى تجسم ذلك التجاوب العميق بين الشعب وملكه، وتتيح للشعب أن يعبر عن تعلقه بالعرش العلوي ورغبته في التخلص من ربقة الاستعمار، كما تتيح للملك أن يحدث شعبه ويجدد له التعبير عن اهتمامه بالشؤون الوطنية الكبرى وعلى رأسها الاستقلال الوطني، وكان المفروض أن يتخذ الشعراء من هذا التعبير تعبير الملك، وتلك الرغبة والتعلق من جانب الشعب، مادة حيوية لحولياتهم التي تلقى بهذه المناسبة، لقد وقف جلالة الملك من كل القضايا الوطنية موقف الأبطال الصامدين، وكان المدافع الأول عن حقوق شعبه المغتصبة غير عابئ بأنواع التهديد والوعيد، فكان من المنتظر أن يوجه الشعراء اهتمامهم لهذه النقطة وان يعبروا تعبيرا صادقا عن تجاوب الملك والشعب، وإجماع الأمة ملكا وشعبا على الرغبة في التحرر والانطلاق والعمل لذلك بكل الوسائل، غير أننا نحس بخيبة أمل عندما نجد أن حوليات عيد العرش لم تكن كما ذكرنا، بل كانت على صورة تذكر كثيرا بمدائح المتنبي وأبي تمام والبحتري وغيرهم من المداحين المشهورين في الشعر العربي، كما تذكر بصفة خاصة ببعض مدائح شعراء الأندلس كابن هانئ وابن زيدون وابن عمار.
ولا نستطيع أن نعد تعرضهم في حولياتهم لاهتمام الملك بالدين، وحرصه على بناء المدارس واحتفاءه بالعلم والعلماء، شيئا جديدا اختصوا به دون من قبلهم من الشعراء المشارقة والأندلسيين، ذلك لأننا لا نعدم مثل ذلك في جل المدائح الموجهة للخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء، فالاهتمام بالعلم والدين من جملة الأوصاف التي كان يوصف بها أولئك فكل واحد منهم في رأي شاعره جميل الطلعة، مهيب الجانب، قوى الجنان، سخي اليد، لين العريكة، ورع يحمي الدين، وعالم يرعى العلماء، بماذا بقي لشعرائنا في حولياتهم؟ الواقع أن ما تبقى لهم لم يتعرضوا إليه كثيرا للأسف الشديد.