تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 57

ذكرى خالدة

ذ. أحمد مراد

إن الأمة الجزائرية لم تزل حية طالما أنها محافظة على دينها ولغتها

عبد الحميد ابن باديس

ليس أحق من مجلة "دعوة الحق" وهي التي نذرت نفسها لخدمة شؤون الدين والثقافة والفكر في مغربي العربي، ليس أحق منها ولا أجدر بالعناية والاهتمام بذكرى رجل فذ ومصلح عظيم، أوقف حياته على الجهاد من أجل إعزاز الدين ورفع رايته، وتطهيره مما علق به، وأنفق جل عمره يبث أنوار العلم والمعرفة في صدور الرجال، ويزيل غياهب الجهل من طريقهم، ويكونهم تكوينا صحيحا حتى يصبحوا عمادا متينا لبناء مستقبل الوطن.

فقد كان هذا الرجل بحق رائد الأجيال نحو النور والحياة، وباحث نهضة ثقافية واجتماعية وقومية جديرة بالاعتبار. ومجلتنا إذ تعنى بهذه الذكرى إنما تساهم بقسط موفور في تعبيد الطريق القديم أمام شباب المغرب العربي، الذي ينشد العزة ويتطلع بشوق إلى الحياة الحرة الكريمة، على أساس من الهداية الإسلامية والقدوة الحسنة، وبإيحاء من تاريخه الحافل بالعظمة والمجد.

وهذا ما حدا بي أن اسطر هذه الكلمة الوجيزة عن الذكرى التاسعة عشرة لوفاة الراحل الكريم المرحوم الشيخ عبد الحميد باديس رضي الله عنه. بعد أن حالت حوائل الحرب التي يخوض غمارها شعب الجزائر دون إحياء هذه الذكرى الخالدة منذ بضع سنوات في أرض الوطن. فقد قضى نحبه (رحمه الله) يوم السادس عشر من ابريل سنة 1940 في مسقط رأسه بمدينة قسنطينة. وبحلول يوم 16 ابريل من هذه السنة تكون قد انقضت على وفاته تسعة عشر عاما. وكان عمره لا يتجاوز الخمسين سنة. عمر قصير محدود لكنه كان عامرا بجلائل الأعمال وخالد المآثر. والحياة العامرة المثمر لا تقاس بطوال الأعوام وامتداد الأيام. أن حياة الرجال وأعمار الأبطال تقاس بما يقومون به من جهاد ونضال، وما ينهضون به من أعباء ومسؤوليات قد تنوء بحملها الجبال، وتعجز تحقيقها وانجازها الأجيال.

ولقد كان فقيدنا (يرحمه الله) من طراز فريد في علمه وعمله، وحيد في جهاده وإخلاصه، في تفانيه وانقطاعه لخدمة أمته، ورضي عن طيب الخاطر أن يضحي بكل ما ترغب فيه النفس البشرية من لذة ومتاع، في سبيل العمل لإحياء الدين والوطن والنهوض بالأمة، بعد أن هبطت إلى الحضيض وأشرفت على الموت. وكان لجهاده في مختلف الميادين التي اختارت الجهاد فيها أحسن النتائج وابلغ الآثار، فيما ضحى عليه الشعب الجزائري من نهضة ويقظة شاملة، بات معها مضرب المثل في البطولة والاستماتة من اجل استيراد سيادته، والظفر بحريته واستقلاله.

انحدر الأستاذ عبد الحميد ابن باديس من أسرة جزائرية شهيرة، أسرة علم ومجد، كان لها ماض حافل، وتاريخ ماجد في حياة الشمال إفريقي منذ بضعة قرون خلت. ونشأ في بيئة عربية إسلامية، أثرت في تكوينه تأثيرا حسنا. وبعد استظهاره لكتاب الله، بدأ دراسته الأولى في مدينة قسنطينة، التي كانت موئل طلاب العلم الذين يؤمونها من جميع أنحاء الوطن، واشتهر بجده واجتهاده ولإقباله على العلم بهمة لا تعرف الكلل. ثم ارتحل إلى جامع الزيتونة حيث أحرز منه على شهادة العالمية. وبعد عودته من تونس بقليل، عقد العزم على القيام برحلة عبر أقطار الشرق العربي، لأداء فريضة الحج، والإطلاع على شؤون أبناء العروبة والإسلام في تلك الربوع، ودراسة الأوضاع التي كانت تعيش عليها الشعوب العربية. ويبدو أنه قد تأثر أثناء رحلته خلال ديار الشرق بما لمسه من تأثير دعوة موقظ الشرق وحكيم الإسلام جمال الدين الأفغاني، ورفيقة الأستاذ محمد عبده. ولذلك ما أن بدا جهاده العلمي والوطني في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، حتى حذا حدوهما وسار على منوالهما في دعوته الدينية الإصلاحية، ومبادئه القومية. بيد أنه لم يغفل ما يقتضيه اختلاف البيئة والمكان وتطور الزمان، مما جعله ينهج مناهج في عمله تلائم العصر، وتتماشى الوضع الذي تعيش فيه الجزائر.

وهكذا تداركت عناية الله أمر الإسلام والعربية على يد هذا الرجل في أرض الجزائر، في وقت ظن فيه أعداء الإسلام والعربية من بقايا الصليبيين أنهم قد فرغوا من أهرها بتاتا، وشيعوها من هذه الأرض إلى غير رجعة. ومنذ ذلك اليوم بدأ الشيخ ابن باديس جهاده في شتى الميادين، وكأنه أمة وحده، لا يستمد العون إلا من الله، ومن شعوره بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه وعلى عاتق أمثاله من علماء الدين في هذه الأمة. ومن عرف الوضع الشاذ الذي كانت تعيشه الجزائر آنذاك، وحالة التأخر والجهل وسياسة الاستبداد التي كانت تعانيها، أدرك -ولا ريب- أية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٤٠