طبيا أنها تدخل في الجسم من المنافذ التي يعمها الوضوء، فإذا أزيل عنها ما عليها مما يمنع بروز العرق وتصاعد الأبخرة كان ذلك أحفظ للصحة وادعى للسلامة (12)
3 - ومن المظاهر الصحية في الوضوء أيضا استعمال السواك عند كل وضوء وكونه بعود أراك، هذه الفضيلة التي يحمدها الطب الحديث للإسلام. (13)
4 - وفي الوضوء فوائد أخرى: ففي تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات فائدة طبية جليلة، ذلك بان الكفين اللتين تزاول بهما الأعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة مالا يعلق بسواهما. فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يتعلق بهما فينقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ، ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه، فلا يأمن أن يصيبه من ذلك ضرر، مع كونه ينافي النظافة المطلوبة. ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء اختيار طعم الماء وريحه فقد يجد فيه تغيرا يقتضي ترك الوضوء به.
5 - ومن أسرار الطهارة بقسميها الوضوء والغسل، إن غسل البدن كله أو غسل أطرافه يفيد صاحبه نشاطا وهمة، ويزيل ما يعرض لجسده من الفتور والاسترخاء بسبب الحدث أو بغير ذلك الأعمال التي تنتهي بمثل تأثيره، سيما إذا كان الغسل مع الدلك الذي هو من أحسن الوسائل المستعملة في الطب لتقوية الأعصاب والعضلات وإزالة بعض الآلام، قال بعض الأطباء العرب: ولذلك يمدح بعض أطباء الفرنج الإمام مالكا رضي الله عنه لجعله الدلك من فرائض الغسل، فانه أكثر تقوية للجسم من الغسل وحده، وبهذا كله يكون المتطهر جديرا بان يقيم الصلاة على وجهها ويعطيها حقها من الخشوع ومراقبة الله تعالى. (14)
الصلاة
شرح غير واحد من فلاسفة التشريع الإسلامي أسرار مشروعية هذا الركن العظيم في الإسلام وأفاضوا في ذلك، وهذه عبارات بعضهم:
قال الإمام ابن القيم في الهدى النبوي: "وأما الصلاة فشأنها في تفريج القلب، وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته وإعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاورتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه الى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة -ما صارت بم من اكبر الأدوية والمفرجات، والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة، وأما القلوب العليلة فهي كالأبدان العليلة لا تناسبها الأغذية الفاضلة، فالصلاة من اكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوضاع البطن".
وقال ابن القيم أيضا في محل آخر: (ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته - ما هو انفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة. وكذلك قيام الليل من انفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمتع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وءاله وسلم انه قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فان هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فان توضأ انحلت عقدة ثانية، فان صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)
وقال الإمام السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه ما خلاصته: الصلاة قد تبرئ من الم الفؤاد والمعدة والأمعاء، وكذلك من (عدد من) الآلام، ولذلك ثلاث علل، الأولى أنها أمرا لا هي حيث كانت عبادة بمعنى أنها تدفع الأمراض بالبركة، والثانية أن النفس تلهو فيها عن الألم ويقل إحساسها فستظهر القوة، والثالثة -أمر ظني- وذلك أن الصلاة رياضة فاضلة للنفس لأنها تشتمل على انتصاب وركوع وسجود وتورك وغير ذلك من الأوضاع التي تتحرك معها أكثر المفاصل، وينغمر فيها الأعضاء سيما المعدة وسائر آلات التنفس والغذاء عند السجود، وما انفع السجود الطويل لصاحب النزلة الى الحلق وما اشد إعانة السجود الطويل على فتح سداد
12 - "محمد المثل الكامل" ص 153
13 - (سنن الكائنات) ص77 - 78
14 - مجلة "المنار" مجلد 16 ج 10 مع السنن الكائنات ص 166