دعوة الحق، س2، ع7 /أبريل 1959 .................... ص47
شاهدت في تونس
أريد أن أقدم للقارئ المغربي صورا لفتت انتباهي، وأثارت إعجابي عن بعض مظاهر النهوض الاجتماعي والفكري، في مختلف الأقطار العربية الشقيقة، التي تيسرت لي زيارتها، والوقوف على أساليب عملها في مضامير الرقي، والتقدم، والتشييد.
إنها صور حافزة على الاعتبار، نابضة بالروح التقدمي الذي نحتاجه لبناء نهضة مثالية راسخة.
ولكن شيئا واحدا آلمني، وفكرت بصدده طويلا، قبل الشروع في كتابه هذه السلسلة، وهو اضطراري للابتداء من تونس، تاركا الجزائر المناضلة، التي لا تزال تصارع قوى الطغيان والعدوان.
ولكن هذا البعاد المفروض علينا مع اخوتنا في الجزائر، لن يطول أمده، وان لنا لموعدا قريبا، نلتقي فيه على صعيد واحد، هو صعيد المغرب العربي الموحد، ليبارك الواحد منا للآخر، نضاله، وتحرره، وهناءه.
حطت بنا الطائرة في مطار العوينة بتونس، وبعدها انطلقت السيارة بنا في الأرض الخضراء، أرض النسيم، والعنف، والرجال.
كانت عيني تمتلئ نورا، وكان قلبي موزعا على وجه أسمر، تشع منه الصرامة، والكرامة، وسر الجمال.
وفي الطريق إلى عاصمة الخضراء قدمت لنا الحبيبة تونس، هدية .. سأعتز بها، ولن أنسى ما حييت ذكراها، كانت صورة بطولية نادرة، كانت لوحة تجسم الإرادة القومية الجبارة، في التحرر من قيود الاستعمار، ومن سلاسل الرجعية.
كان سدا منيعا، سدا من حجارة الأرض الطيبة، وكن بضعة من فتيات تونس، دعاهن الواجب القومي ليقفن بجانب شقيقهن الرجل، يدافعن عن كيان الوطن ضد أعدائه، فانتصبن واقفات، يحمين السد الذي أقيم لإعاقة أية قوة للعدو، تروم مس المقدسات القومية للشعب الأبي.
ووقفت سيارتنا أمام السد المنيع، وتقدمت إليها ثلة من الفتيات المسلحات، لتفتيشها، وبعد عمل دقيق حازم، صرح لنا بالمرور، ودون أن أنبس ببنت شفة، قرأ كل من معي في السيارة، آيات الإعجاب والحبور، على وجهي، وانطلق أخ تونسي يحدثنا عن المرأة في تونس، عن مواقفها المشرفة، ليس في ميدان الإبرة، والتدبير المنزلي فقط، بل وحتى في ساحة الدفاع جنب الرجل عن كرامة الوطن وحريته، إنها أجمل صورة، بهرتني في تونس العزيزة.
وفي صباح الغد، كنا نسير على مهل بمحاذاة الشاطئ، ولم أكن أعرف إلى أين يقصد صاحبي حتى كللت المسير، وألححت عليه أن يفصح عن الهدف الذي نقصده فقال:
- إلى أطفال بورقيبة.
- أطفال بورقيبة .. ولكن مالي وأطفال بورقيبة وامتنعت عن السير، فإذا بالتوضيح يأتيني.